العد التنازلي للانتخابات يعيد النقابات إلى واجهة النقاش السياسي
مع اقتراب موعد الاستحقاقات التشريعية المقررة في 23 شتنبر 2026، تتسارع وتيرة التحركات السياسية والنقابية بالمغرب، في مشهد يعكس دخول مختلف الفاعلين مرحلة التعبئة المبكرة استعدادا لمحطة انتخابية توصف بأنها من بين أكثر المحطات تنافسية خلال السنوات الأخيرة.
وبينما تكثف الأحزاب لقاءاتها التنظيمية والتواصلية لاستقطاب الناخبين وتعزيز حضورها الميداني، تواصل المركزيات النقابية بدورها إعادة ترتيب أولوياتها، مؤكدة تمسكها باستقلالية قرارها في ظل تصاعد النقاش حول القضايا الاجتماعية والمهنية التي ستطبع المرحلة المقبلة.
وتأتي هذه الدينامية في سياق يشهد ارتفاعا ملحوظا في منسوب الخطاب السياسي، بالتزامن مع إعادة هيكلة عدد من التنظيمات الحزبية، وعقد لقاءات جهوية ووطنية، إلى جانب تكثيف المبادرات التأطيرية الرامية إلى عرض البرامج والتصورات المتعلقة بمختلف الملفات الاقتصادية والاجتماعية، في محاولة لإقناع الناخبين قبل انطلاق الحملة الانتخابية الرسمية.
وفي موازاة الحراك الحزبي، برزت النقابات المهنية باعتبارها أحد أبرز الفاعلين في المشهد العام، بالنظر إلى امتدادها داخل مختلف القطاعات وقدرتها على التأثير في النقاش المرتبط بالأوضاع الاجتماعية والمهنية.
كما أصبحت مواقف المركزيات النقابية تحظى باهتمام متزايد مع اقتراب موعد الانتخابات، في ظل حرص الأحزاب على تقديم برامج تستجيب لمطالب الأجراء والموظفين والمتقاعدين.
وتدخل الحكومة الحالية، برئاسة عزيز أخنوش، الأشهر الأخيرة من ولايتها على وقع استمرار مطالب نقابية تدعو إلى تسريع معالجة عدد من الملفات الاجتماعية، وسط تأكيد المركزيات النقابية أن عددا من القضايا لا يزال ينتظر حلولا عملية، رغم جولات الحوار الاجتماعي وما أفرزته من اتفاقات وإجراءات همت بعض الفئات.
وتؤكد الهيئات النقابية أن ملفات تحسين الأجور، والقدرة الشرائية، وإنصاف فئات من الموظفين والمتقاعدين، وتنزيل الالتزامات الاجتماعية، ما تزال تحتل صدارة أولوياتها، معتبرة أن استمرار ارتفاع أسعار عدد من المواد والخدمات الأساسية فرض تحديات إضافية على الأسر، كما واصلت التعبير عن مواقفها بشأن القانون التنظيمي المتعلق بممارسة حق الإضراب، الذي أثار نقاشا واسعا داخل الأوساط النقابية منذ المصادقة عليه.
وفي هذا الإطار، جدد الميلودي موخاريق، الأمين العام للاتحاد المغربي للشغل، التأكيد على استقلالية المركزية النقابية عن الأحزاب السياسية وعن الحكومة، معتبرا أن الاتحاد سيواصل أداء أدواره وفق مبادئه التنظيمية، بعيدا عن أي اصطفاف سياسي، وأن موقفه من الاستحقاقات المقبلة سيظل مرتبطا بتقييم البرامج التي تهم مصالح الطبقة العاملة.
وخلال افتتاح أشغال المؤتمر الثاني عشر للاتحاد الجهوي لنقابات الدار البيضاء-سطات، المنضوي تحت لواء الاتحاد المغربي للشغل، أوضح موخاريق أن المنظمة النقابية تحتفظ بحق مناضليها في ممارسة حقهم الدستوري في اختيار الجهة التي يرون أنها تقدم برامج تستجيب لتطلعات الشغيلة، مؤكدا أن استقلالية القرار النقابي تشكل أحد المبادئ الأساسية التي يقوم عليها الاتحاد.
كما شدد الأمين العام للاتحاد المغربي للشغل على أن المرحلة الراهنة تستوجب إعطاء الأولوية لمعالجة القضايا الاجتماعية، معتبرا أن الأوضاع الاقتصادية والمعيشية تفرض مواصلة الحوار حول الملفات المرتبطة بالأجراء، بعيدا عن منطق الحسابات السياسية، بما يضمن تعزيز الاستقرار الاجتماعي والاستجابة لانتظارات مختلف الفئات المهنية.
وأشار موخاريق إلى أن المؤتمر الثاني عشر للاتحاد الجهوي لنقابات الدار البيضاء-سطات يمثل محطة تنظيمية لتقييم حصيلة العمل النقابي واستشراف آفاق المرحلة المقبلة، مبرزا أن هذه الدورة عرفت مشاركة واسعة لمختلف القطاعات المهنية، إلى جانب حضور الشباب والنساء، في إطار توجه يروم تعزيز تجديد النخب النقابية وتطوير آليات الاشتغال داخل المنظمة.
وأضاف أن الاتحاد المغربي للشغل راكم خلال السنوات الأخيرة تجربة في مواكبة عدد من الملفات الاجتماعية التي استأثرت باهتمام الرأي العام، من بينها القدرة الشرائية، وقانون الإضراب، وإصلاح أنظمة التقاعد، مؤكدا أن الدفاع عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للأجراء سيظل في صلب أولويات المنظمة خلال المرحلة المقبلة.
وتأتي هذه المواقف في وقت تتواصل فيه استعدادات مختلف الأحزاب السياسية لخوض الانتخابات التشريعية، من خلال تكثيف لقاءاتها مع مختلف الفئات الاجتماعية والمهنية، في محاولة لتعزيز حضورها الميداني وإقناع الناخبين ببرامجها الانتخابية، وهو ما يجعل الملفات الاجتماعية والاقتصادية في صدارة النقاش السياسي مع اقتراب موعد الاقتراع.
ومع اقتراب 23 شتنبر 2026، تبدو العلاقة بين الفاعل الحزبي والفاعل النقابي مرشحة لاكتساب أهمية متزايدة، في ظل استمرار النقاش حول أولويات المرحلة المقبلة، بينما تواصل المركزيات النقابية التأكيد على استقلالية قرارها، وربط أي موقف من البرامج السياسية المستقبلية بمدى استجابتها لمطالب الشغيلة المغربية، في وقت تتجه فيه الأنظار إلى ما ستسفر عنه الأسابيع المقبلة من تطورات على مستوى الحراك السياسي والاجتماعي قبيل انطلاق الاستحقاقات التشريعية.
