هل يقود دعم الأغنام إلى تفجر الخلافات داخل الأغلبية قبل الانتخابات؟ - الجريدة 24

هل يقود دعم الأغنام إلى تفجر الخلافات داخل الأغلبية قبل الانتخابات؟

الكاتب : انس شريد

28 July 2026 - 06:30
الخط :

تحول ملف دعم استيراد الأغنام واللحوم الحمراء إلى واحد من أكثر الملفات إثارة للجدل في المشهد السياسي المغربي، بعدما تجاوز طابعه الاقتصادي ليفتح باب مواجهة سياسية متصاعدة بين مكونات الأغلبية الحكومية نفسها، في توقيت يتزامن مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية لسنة 2026.

وبينما كان الهدف المعلن من الإجراءات الحكومية هو المساهمة في تخفيف الضغط على أسعار اللحوم وضمان تموين الأسواق الوطنية، عاد الملف إلى الواجهة من جديد وسط تصاعد الانتقادات بشأن جدوى الدعم العمومي، في ظل استمرار ارتفاع الأسعار وتزايد التساؤلات حول المستفيدين الحقيقيين من هذه التدابير.

ومنذ اعتماد الحكومة سلسلة من الإجراءات الرامية إلى تشجيع استيراد الأغنام واللحوم الحمراء عبر منح تسهيلات وإعفاءات جمركية، ظل الرهان معلقا على تحقيق توازن داخل السوق الوطنية وتوفير المنتجات بأسعار أقل للمستهلكين.

غير أن الواقع، بحسب المهنيين، لم يعكس النتائج المنتظرة، إذ استمرت أسعار اللحوم الحمراء في مستويات مرتفعة، بينما بقيت القدرة الشرائية للأسر تحت ضغط متزايد، وهو ما جعل هذا الملف يتحول إلى محور نقاش سياسي واجتماعي واسع خلال الأشهر الأخيرة.

وتزداد حساسية هذا النقاش بالنظر إلى الظرفية الاقتصادية التي تعيشها المملكة، حيث تتداخل تحديات ارتفاع كلفة المعيشة مع مطالب المواطنين بإيجاد حلول عملية تنعكس بشكل مباشر على أسعار المواد الأساسية، وفي مقدمتها اللحوم الحمراء، التي أصبحت تشكل عبئا متزايدا على ميزانيات عدد كبير من الأسر، الأمر الذي أعاد طرح أسئلة حول مدى فعالية السياسات العمومية المعتمدة لمعالجة الاختلالات التي يعرفها القطاع.

وعاد الملف إلى واجهة الأحداث بقوة بعد التصريحات التي أدلى بها الأمين العام لحزب الاستقلال، نزار بركة، خلال لقاء حزبي، حيث وجه انتقادات مباشرة إلى طريقة تدبير ملف استيراد الأغنام، معتبرا أن الدعم العمومي الذي استفاد منه بعض المستوردين لم ينعكس على الأسعار التي تحملها المواطنون، بل إن عددا من المستفيدين، وفق ما أكده، قاموا بتسويق الأغنام بأثمان مرتفعة رغم حصولهم على دعم مالي، وهو ما اعتبره ممارسات تستوجب المساءلة والمحاسبة.

ولم تتوقف رسائل بركة عند الجانب الاقتصادي، بل حملت أيضا أبعادا سياسية واضحة، بعدما أكد أن حزب الاستقلال ظل، بحسب تعبيره، يشكل عنصر توازن داخل الحياة السياسية، معتبرا أن الحزب يضع مصلحة الوطن والمواطن في مقدمة أولوياته.

كما كشف أنه سبق أن أثار هذا الملف خلال اجتماع للأغلبية بحضور رئيس الحكومة والبرلمانيين، مؤكدا أن حزبه اختار التعبير عن مواقفه بصراحة انطلاقا مما وصفه بلغة الحقيقة والدفاع عن مصالح المواطنين.

وتأتي هذه التصريحات في ظرف سياسي يتسم بتزايد مؤشرات التنافس المبكر بين الأحزاب المشكلة للأغلبية الحكومية، حيث يسعى كل مكون إلى إبراز مواقفه وتمييز خطابه السياسي استعدادا للانتخابات التشريعية المرتقبة.

وفي خضم هذا السجال السياسي، برز نقاش جديد عقب مصادقة مجلس الحكومة على مشروع المرسوم رقم 2.26.584، القاضي بوقف استيفاء رسم الاستيراد المفروض على الأغنام الأليفة الحية ولحوم الأبقار والأغنام والماعز والجمال، إلى جانب تعديل نسبة رسم الاستيراد الخاصة بأحشاء الحيوانات التابعة للفصائل نفسها، وذلك بموجب المرسوم الصادر يوم 21 يوليوز 2026، في خطوة قالت الحكومة إنها تستهدف تعزيز تموين السوق الوطنية والتخفيف من آثار ارتفاع الأسعار.

غير أن هذه الإجراءات لم تبدد شكوك عدد من المهنيين، الذين اعتبروا أن القرارات الجديدة قد لا تحقق الأثر المنتظر على مستوى الأسعار، مستحضرين تجارب سابقة لم تؤد، بحسب تقييمهم، إلى إحداث التوازن المطلوب داخل السوق.

ويرى هؤلاء أن المستوردين الكبار يظلون المستفيد الأول من الإعفاءات والتسهيلات، في وقت لم يلمس فيه المستهلك انعكاسا واضحا لهذه التدابير على أسعار البيع بالتقسيط، والتي تجاوزت في عدد من الأسواق سقف 180 درهما للكيلوغرام الواحد.

ويؤكد فاعلون في القطاع أن أي معالجة مستدامة لارتفاع أسعار اللحوم تقتضي اعتماد مقاربة شاملة لا تقتصر على تسهيل الاستيراد، وإنما تشمل أيضا تعزيز الإنتاج الوطني، ودعم سلاسل التربية والتسويق، وتحسين آليات المراقبة، بما يضمن وصول آثار أي دعم عمومي إلى المستهلك النهائي بدل أن يظل محصورا في حلقات محددة من سلسلة التوزيع.

وبموازاة ذلك، يتواصل الجدل السياسي حول تعثر إحداث لجنة نيابية لتقصي الحقائق بشأن دعم استيراد الأغنام، بعدما تبادلت الأغلبية والمعارضة الاتهامات بشأن المسؤولية عن توقف هذا المسار الرقابي. ويعتبر هذا الملف من بين أبرز القضايا التي أعادت النقاش حول دور المؤسسات الرقابية في تتبع أوجه صرف الأموال العمومية وتقييم مدى تحقيق البرامج الحكومية للأهداف التي أطلقت من أجلها.

وبين استمرار ارتفاع أسعار اللحوم، وتصاعد الانتقادات السياسية، وتباين مواقف مكونات الأغلبية، يبدو أن ملف دعم استيراد الأغنام لم يعد مجرد إجراء اقتصادي ظرفي، بل تحول إلى اختبار سياسي حقيقي لقدرة التحالف الحكومي على الحفاظ على تماسكه في مرحلة دقيقة، بينما تبقى الأنظار متجهة إلى ما إذا كانت التطورات المقبلة ستقود إلى احتواء الخلافات داخل الأغلبية أم ستفتح الباب أمام مزيد من التصعيد مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية لسنة 2026.

آخر الأخبار