وعود انتخابية بالجملة.. العالم القروي في قلب التنافس الحزبي
مع اقتراب موعد الاستحقاقات الانتخابية المرتقبة في شتنبر المقبل، دخلت الأحزاب السياسية المغربية مرحلة حاسمة من التحضير للسباق الانتخابي، من خلال استكمال برامجها وصياغة تصوراتها بشأن القضايا التي تستأثر باهتمام الرأي العام.
وفي مقدمة هذه الملفات، برز العالم القروي باعتباره أحد أبرز محاور التنافس السياسي، بعدما تحولت أوضاعه التنموية إلى رهان انتخابي تتسابق مختلف الهيئات الحزبية على تقديم وعود لمعالجة اختلالاته وتقليص الفوارق التي ما تزال تفصل بينه وبين الوسط الحضري.
وتكتسب البرامج الانتخابية خلال هذه المرحلة أهمية خاصة، باعتبارها الوثيقة التي تسعى الأحزاب من خلالها إلى إقناع الناخبين بقدرتها على تدبير الشأن العام خلال الولاية المقبلة.
كما تشكل مناسبة لعرض التصورات المتعلقة بالإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية، في ظل تنامي المطالب المرتبطة بتحسين القدرة الشرائية، وتوفير فرص الشغل، والارتقاء بخدمات الصحة والتعليم، وتعزيز الحماية الاجتماعية، إلى جانب تقليص الفوارق المجالية التي ما تزال تطرح بقوة في عدد من المناطق القروية والجبلية.
وأصبح ملف العالم القروي يحتل موقعاً متقدماً في الخطاب السياسي للأحزاب، التي تعتبر أن تحقيق تنمية متوازنة يمر عبر معالجة الإكراهات التي تواجه الساكنة القروية، سواء على مستوى البنيات التحتية أو الخدمات الأساسية أو خلق فرص الدخل والتشغيل. ويأتي ذلك في سياق تتزايد فيه المطالب بتسريع وتيرة التنمية في المناطق التي عانت لعقود من محدودية الاستثمارات وصعوبة الولوج إلى عدد من الخدمات العمومية.
وفي هذا الإطار، خصص حزب الأصالة والمعاصرة حيزاً مهماً من برنامجه للعالم القروي، واضعاً تحسين دخل الأسر ضمن أولوياته، حيث اقترح دعم التعاونيات النسوية باعتبارها رافعة لتعزيز الاقتصاد الاجتماعي والتضامني، وتمكين النساء القرويات من موارد مالية إضافية، خاصة في المناطق التي تعاني ضعفاً في الأنشطة الاقتصادية ومحدودية مصادر العيش. ويراهن الحزب على هذا التوجه للمساهمة في تحسين الظروف الاجتماعية للأسر وتعزيز الاستقرار الاقتصادي داخل الوسط القروي.
من جانبه، قدم حزب الحركة الشعبية تصوراً يقوم على إحداث وزارة خاصة بالمجال القروي والجبلي والواحات والشريط الحدودي، بهدف توحيد الجهود العمومية الموجهة لهذه المجالات وتحقيق قدر أكبر من النجاعة في تدبير مشاريعها التنموية.
كما تعهد الحزب بإحداث أقطاب قروية تتوفر على الحد الأدنى من الخدمات الأساسية، بما يسمح بتقريب المرافق العمومية من المواطنين والحد من مظاهر الهشاشة التي تعرفها العديد من المناطق.
وفي السياق ذاته، أكد الأمين العام لحزب الحركة الشعبية، محمد أوزين، أن العالم القروي يحتاج إلى ما وصفه بـ"مخطط مارشال"، معتبراً أن معالجة الاختلالات التنموية بالمناطق القروية تمثل مدخلاً أساسياً للتخفيف من عدد من الإشكالات التي تواجه المدن، وفي مقدمتها الهجرة الداخلية والضغط على البنيات التحتية والخدمات العمومية.
أما حزب التجمع الوطني للأحرار، الذي يقود الحكومة الحالية، فقد جعل من تحسين الخدمات الأساسية بالعالم القروي أحد أبرز محاور برنامجه، متعهداً بتعميم خدمات النقل المدرسي في مختلف المناطق القروية، وتوفير وجبات غذائية لفائدة أطفال التعليم الأولي والابتدائي العمومي، إلى جانب تطوير آليات الدعم الدراسي الفردي بالاعتماد على الوسائل والتقنيات التعليمية الحديثة، بما يعزز فرص النجاح والحد من الهدر المدرسي.
كما تعهد الحزب بتعميم نحو 5.000 من أعوان الصحة بالمجال القروي خلال الولاية المقبلة، في إطار رؤية تروم تقريب الخدمات الصحية من الساكنة، وتقليص الفوارق المجالية في الولوج إلى العلاج، فضلاً عن توفير فرص شغل جديدة وتحفيز الاستثمار المحلي بما يساهم في تنشيط الدورة الاقتصادية بالمناطق القروية.
ولم يقتصر الاهتمام بالعالم القروي على هذه الأحزاب فقط، إذ أولت هيئات سياسية أخرى هذا الملف أهمية بارزة ضمن برامجها الانتخابية، من خلال طرح مقترحات تروم تحسين جودة العيش، وتأهيل البنيات التحتية، وتوسيع شبكات الطرق والماء والكهرباء، وتعزيز الخدمات الصحية والتعليمية، إلى جانب دعم الاستثمار المنتج وخلق فرص الشغل لفائدة الشباب، باعتبار أن تحقيق العدالة المجالية يظل من بين أبرز التحديات المطروحة خلال المرحلة المقبلة.
ويعكس هذا التنافس حجم الرهان الذي أصبح يمثله العالم القروي في المشهد السياسي المغربي، بعدما تحول إلى محور رئيسي في النقاش الانتخابي، في ظل ارتفاع انتظارات الساكنة من البرامج الحزبية.
وبين الوعود التي تتعلق بتطوير الخدمات الأساسية، وتحسين الدخل، وتعزيز فرص التشغيل، يبقى التحدي الأكبر مرتبطاً بمدى قدرة الأحزاب التي ستنال ثقة الناخبين على تحويل هذه الالتزامات إلى سياسات عمومية ومشاريع ميدانية تستجيب لاحتياجات المواطنين، وتحقق تنمية متوازنة تقلص الفوارق المجالية وتعزز الاندماج الاقتصادي والاجتماعي لمختلف المناطق القروية.
