هل تتحول محاربة الفساد والريع إلى سلاح انتخابي في معركة شتنبر؟

الكاتب : انس شريد

14 August 2026 - 06:30
الخط :

يدخل المغرب مرحلة سياسية حاسمة مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر 2026، وسط منافسة مرتقبة بين الأحزاب السياسية لا تقتصر على حصد المقاعد البرلمانية، بل تمتد إلى تقديم أجوبة مقنعة عن أسئلة الثقة في المؤسسات، وتجديد النخب، وتحسين الأداء العمومي، وتعزيز حضور الشباب والنساء في الحياة السياسية.

وتأتي هذه الاستحقاقات في سياق أصبحت فيه الملفات الاجتماعية والاقتصادية أكثر التصاقاً بالاختيارات السياسية للناخبين، في مقدمتها التشغيل، والسكن، والتعليم، والصحة، والحماية الاجتماعية، والقدرة الشرائية، إلى جانب مطلب متزايد بتخليق الحياة العامة وربط المسؤولية بالمحاسبة.

وهو ما يدفع عددا من الأحزاب إلى إعادة ترتيب أولوياتها الانتخابية، وإبراز محاربة الفساد والريع وتضارب المصالح ضمن تصوراتها للمرحلة المقبلة.

وفي هذا السياق، برز حزب الاستقلال بقيادة أمينه العام نزار بركة بخطاب يركز على بناء ما يصفه بتعزيز الثقة في مؤسسات الدولة، من خلال سيادة القانون وتقوية النزاهة والمنافسة وتطوير آليات الحكامة والرقابة.

ويطرح الحزب ضمن هذا التصور إقرار إطار قانوني خاص بتضارب المصالح، إلى جانب إحداث آليات لتتبع هوامش الربح في المواد الاستهلاكية وربط الدعم العمومي بمدى تحقيقه للنتائج المنتظرة، خصوصاً في التشغيل وتحسين القدرة الشرائية.

ويمتد التصور الذي يقدمه بركة إلى ملفات العقار والكراء والإدارة، من خلال الدفع نحو مواصلة سياسات دعم السكن ومواكبة الطلب المتزايد على العقار، مع التفكير في توفير بنايات مخصصة للكراء لفائدة الشباب والأسر في بداية مسارها المهني والاجتماعي.

كما يطرح الحزب إحداث وكالات جهوية لتوزيع المواد الغذائية، إلى جانب تبسيط المساطر الإدارية وتسريع التحول الرقمي والاستفادة من الذكاء الاصطناعي في تدبير الخدمات العمومية، بما يقلص هامش التدخل البشري ويعزز الشفافية.

وفي الاتجاه نفسه، يستعد حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية لعرض برنامجه الانتخابي في 28 غشت، وفق ما أعلن عنه الكاتب الأول إدريس لشكر خلال لقاء نظمته مؤسسة الفقيه التطواني.

ومن المنتظر أن تتضمن الوثيقة تصورات سياسية ومؤسساتية واقتصادية واجتماعية، مع جعل قضايا الريع والفساد والاحتكار وقواعد المنافسة جزءاً من الرؤية الاقتصادية التي يقدمها الحزب للمرحلة المقبلة، انطلاقاً من تصور يقوم على تكامل الاستثمار العمومي والخاص، مع اعتبار الاستثمار العمومي رافعة للاستثمار الخاص وليس منافساً له.

بدوره، يعتزم حزب التقدم والاشتراكية جعل التخليق السياسي أحد مرتكزات برنامجه الانتخابي، من خلال التأكيد على الالتزام بميثاق أخلاقي يناهض الفساد والريع وتضارب المصالح، باعتبار هذه القضايا من المداخل الأساسية لاستعادة ثقة المواطنين في المؤسسات المنتخبة.

ويتقاطع هذا التوجه مع مواقف حزب العدالة والتنمية الذي يواصل بدوره إبراز محاربة الفساد وتعزيز النزاهة باعتبارهما من الملفات المركزية في خطابه السياسي.

أما حزب الأصالة والمعاصرة، فيضع بدوره مواجهة الريع والامتيازات وتخليق الحياة العامة ضمن أبرز محاور توجهاته الانتخابية لسنة 2026، مع الدفع نحو كسر الاحتكارات وفتح المجال أمام المنافسة بما يخدم القدرة الشرائية.

كما كثف الحزب خلال السنة الجارية نقاشاته الداخلية والعمومية حول الأخلاق السياسية وضبط ممارسة المنتخبين، إلى جانب طرح آليات تستهدف الحد من استغلال النفوذ والمواقع، وإعطاء الأولوية للكفاءات القادرة على تدبير الشأن العام وفق قواعد النزاهة والشفافية.

وبالتوازي مع التحرك الحزبي، رفعت الجمعية المغربية لمحاربة الرشوة ـ ترانسبرانسي المغرب ـ سقف النقاش السياسي من خلال مطالبة الأحزاب الممثلة في البرلمان بتحديد مواقفها بوضوح من ثلاث قضايا مرتبطة بمحاربة الفساد وحماية المال العام.

وتأتي هذه المبادرة تنفيذاً لقرار المجلس الوطني للجمعية المنعقد في 11 يوليوز 2026 بالرباط، حيث وجه المكتب التنفيذي مراسلات إلى الرؤساء والأمناء العامين والمسؤولين الأوائل للأحزاب المعنية، مطالباً بإجابات واضحة قبل الاستحقاق التشريعي.

وتتعلق القضايا التي طرحتها الجمعية بالمقتضيات الجديدة للمادتين 3 و7 من القانون رقم 03.23 المتعلق بالمسطرة الجنائية، وموقف الأحزاب من تجريم الإثراء غير المشروع بالاستناد إلى التصريح الإجباري بالممتلكات، إضافة إلى الآليات التشريعية والتنظيمية الكفيلة بتأطير حالات تنازع المصالح والوقاية من الممارسات المرتبطة بها.

وأعلنت الجمعية أنها تعتزم نشر أجوبة الأحزاب خلال الحملة الانتخابية، بما يتيح للناخبين الاطلاع على مواقف محددة من ملفات تعتبرها أساسية في معركة النزاهة وحماية المال العام.

ومع اقتراب موعد 23 شتنبر، يبدو أن معركة الأحزاب لن تدور فقط حول البرامج الانتخابية والوعود الاجتماعية، وإنما أيضاً حول قدرتها على تقديم تعهدات قابلة للقياس بشأن محاربة الفساد والريع وتضارب المصالح، وتجديد الوجوه السياسية وتعزيز الثقة في المؤسسات.

وبينما تسعى التنظيمات السياسية إلى إقناع الناخبين بقدرتها على إدارة المرحلة المقبلة، يبرز اختبار أكثر حساسية يتمثل في تحويل شعارات التخليق والحكامة إلى إجراءات وتشريعات وسياسات ملموسة، وهو ما قد يجعل ملف النزاهة أحد أبرز عناوين المنافسة الانتخابية في المغرب خلال شتنبر المقبل.

آخر الأخبار