توتر متصاعد في الدار البيضاء.. صراع الاختصاصات يضع الاتفاقيات في مأزق قبل نهاية الولاية
تدخل جماعة الدار البيضاء المرحلة الأخيرة من ولايتها الانتدابية وسط تصاعد لافت في حدة التجاذبات السياسية والإدارية، بعدما انتقلت الخلافات داخل عدد من المقاطعات والمصالح الجماعية من نقاشات مرتبطة بتدبير الملفات المحلية إلى مواجهات حول حدود الاختصاصات والمسؤوليات، في وقت تتزامن فيه هذه التطورات مع الاستعدادات لعقد دورة غشت الاستثنائية وما يرافقها من اجتماعات للجان الدائمة.
وتفيد معطيات توصلت بها "الجريدة 24" بأن عددا من مقاطعات العاصمة الاقتصادية يشهد في الفترة الأخيرة احتقاناً متزايداً بين بعض المنتخبين ومسؤولين إداريين، على خلفية طريقة التعامل مع ملفات واتفاقيات تعرض على المجالس المنتخبة، إلى جانب خلافات بشأن ممارسة المنتخبين لاختصاصاتهم الرقابية وتتبعهم للوثائق والمعطيات المرتبطة بالمقررات التي يصادق عليها المجلس.
وبحسب المعطيات نفسها، فإن هذا الوضع فتح نقاشاً أوسع حول العلاقة المفترضة بين المنتخب والإدارة، وحدود تدخل كل طرف في إطار الاختصاصات التي يحددها القانون، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بملفات ذات آثار مالية أو اتفاقيات تمر عبر مختلف مراحل الدراسة والمناقشة والمصادقة والتأشير والتنفيذ.
وفي هذا السياق، برز اسم أحمد مفتاح، عضو مجلس جماعة الدار البيضاء ونائب رئيس مقاطعة عين الشق، في خضم النقاش الدائر، بعدما عبّر عبر حسابه على الفيسبوك عن تمسكه بضرورة احترام الضوابط القانونية والمؤسساتية، مؤكدا في مواقفه أن المنتخبين والموظفين الذين يؤدون مهامهم بنزاهة وحياد يستحقون التقدير، في مقابل رفضه لأي سلوك من شأنه، بحسب تصوره، تجاوز المقتضيات القانونية أو المساس بمبدأ حماية المال العام.
وتتجاوز مواقف مفتاح، وفق ما يظهر من مضمونها، مجرد خلاف عابر حول تدبير ملف محدد، لتطرح إشكالية أوسع تتعلق بحدود الرقابة السياسية التي يمارسها المنتخبون على الملفات المعروضة على المجالس، ومدى قدرة الإدارة الجماعية على ضمان التطبيق السليم للمقررات التي تتم المصادقة عليها داخل المؤسسة المنتخبة.
ويتركز جانب مهم من الجدل حول الاتفاقيات التي تمر عبر المجالس الجماعية، باعتبارها وثائق تخضع لمسار مؤسساتي يبدأ بالإدراج ضمن جدول الأعمال، ويمر عبر اللجان المختصة والمناقشة والتصويت، قبل الانتقال إلى مراحل التوقيع والتأشير والتنفيذ وفق الضوابط القانونية الجاري بها العمل.
ويطرح هذا المسار سؤالا جوهريا حول حدود التعديل الذي يمكن إدخاله على الاتفاقيات بعد مصادقة المجلس عليها، وما إذا كان أي تغيير في مضمونها، سواء تعلق بالمبالغ المالية أو ببنودها والتزامات أطرافها، يستوجب العودة إلى المجلس وإخضاع التعديل للمسطرة القانونية اللازمة، بدلاً من التعامل معه باعتباره مجرد إجراء إداري.
كما يعيد الجدل الحالي تسليط الضوء على الدور الذي تضطلع به كتابة المجلس في مجال تحرير المحاضر وحفظ الوثائق والمقررات والاتفاقيات المرتبطة بأشغال المجلس، باعتبارها جزءاً من منظومة التوثيق الإداري التي يفترض أن تضمن مطابقة الوثائق لما تمت مناقشته والمصادقة عليه داخل المؤسسة المنتخبة.
وتكشف طبيعة الخلافات المتداولة داخل بعض المجالس المنتخبة عن توتر أعمق في العلاقة بين عدد من المنتخبين والجهاز الإداري، حيث يرى منتخبون أن دورهم لا يقتصر على التصويت على المقررات، وإنما يشمل أيضا ممارسة الرقابة السياسية وتتبع تنفيذ القرارات التي اتخذها المجلس، بينما تتمسك الإدارة بضرورة احترام الاختصاصات والمساطر المحددة قانوناً وعدم تحويل المراقبة السياسية إلى تدخل مباشر في العمل الإداري.
ومع اقتراب نهاية الولاية الانتدابية، تزداد حساسية هذه الملفات، خصوصاً أن مختلف المكونات السياسية تستعد عملياً لمرحلة انتخابية جديدة، وهو ما يجعل أي خلاف داخل المجالس قابلا لأن يأخد أبعادا سياسية تتجاوز موضوعه الإداري الأصلي.