عاديات الزمن.. من الاغتصاب والاتجار بالبشر إلى خبير في الأمن السيبراني
سمير الحيفوفي
من لم يستطع حماية من كُنَّ في عهدته من لظى شهوته وسلطته وابتزازه، ومن حول صحفيات ومستخدمات إلى أدوات لتزجية الوقت والتنفيس عن عقده الجنسية، لا يحق له أن يفتي على الدولة وأجهزتها كيف تحمي موظفيها وقواعد بياناتها، وأن يبيع الشك في قالب مثير لاهثا وراء الـ"أدسنس".
ومن قضى سنوات خلف القضبان على خلفية قضية الاتجار بالبشر الشهيرة، التي ثبتت فيها إدانته بما لا يدع مجالا للشك، لا يصبح بمجرد فتح دكان افتراضي في سوق "يوتيوب" خبيرا في الأمن السيبراني، ولا تتحول سوابقه القضائية، بضغطة زر، إلى شهادة عليا في هندسة الشبكات وحماية الخوادم.
وإنه لسهل جدا أن تجلس أمام كاميرا، ثم تقدم نفسك للجمهور باعتبارك خبيرا استراتيجيا يعرف ما خفي عن أدمغة المهندسين والمحققين والمتخصصين، كما هو سهل جدا ترديد كلمات من قبيل "اختراق" و"تسريب" و"تشفير" و"خوادم"، حتى يعتقد بعض المتابعين أن المتحدث خرج لتوه من مختبر دولي للأمن المعلوماتي، لا من تجربة سجنية طويلة كان موضوعها نهش لحوم ضحاياه لا تحليل البيانات.
لكن هل يكفل ترتيب الكلمات التقنية ليصبح اللعوب المغتصب خبيرا؟ وهل تمحو الشطحات المسمومة على "يوتيوب" حكما قضائيا يلطخ مسيرته بعدما انفضحت أمام الناس سوءته وسريرته؟ كما أن عدد المشاهدات لا ولن يتحول إلى دليل جنائي؟ ولا يكفل الاقتيات على الـ"أدسنس" صفة المحقق ولا رتبة المهندس، رغم التطاول الشائن والمعيب؟
وفي هذه المرة انبرى مستبيح الأعراض والأجساد، إلى توزيع الاتهامات من خلف الشاشة، و"إسداء النصح" بكل صفاقة العالم، وارتمى على بلاغ رسمي صادر عن قطب المديرية العامة للأمن الوطني والمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، ليضعنا أمام مواجهة علمية بين مركزين للخبرة، واحد يعمل فيه مهندسون ومتخصصون في الأمن المعلوماتي، وثان يتفنن في دس السم ثم ينتظر ارتفاع المشاهدات.
البلاغ كان واضحا، لم يسجل اختراق للأنظمة المعلوماتية الأمنية، والبيانات المتداولة قديمة، ومصدرها قواعد تشرف عليها شركات التأمين وهيئات التغطية الصحية والاجتماعية، كما أوضح أن الأنظمة التي تضم المعطيات الأمنية غير متصلة أساسا بالشبكات المفتوحة على الإنترنت، ونبه إلى تداول صور مفبركة ووثائق محرفة تحمل رتبا وأزياء غير معتمدة وأخطاء لغوية فاضحة.
لكن المغتصب الذي ارتدى لبوس الخبير الطارئ لم ير في هذه التفاصيل توضيحا تقنيا، بل اعتبرها محاولة لإبعاد التهمة، فهو يظن نفسه قادرا على قلب الحقائق، وأن ما يكفيه هو أداءه المبتذل ونبرة مرتفعة أمام الكاميرا ليزرع الشك، وصدر حكمه النهائي، ثم يترك لمتابعيه مهمة التصفيق وإعادة النشر.
والحال أن هناك فرقا يعرفه حتى المبتدئون بين اختراق قاعدة أمنية، وتسريب بيانات قديمة من شركة تأمين، وفبركة صور، وتزوير وثائق، غير أن الذي يقرأ ما يكتب له من سيناريوهات كتبت من محبرة الغل، جمع كل ذلك في سلة واحدة أكثر فائدة لخوارزمية "يوتيوب"، لأن الحقيقة الدقيقة لا تحقق دائما عدد المشاهدات الذي تحققه الإثارة.
لكن المفارقة تلقي على القفا من الضحك، فمن عجز عن كبح نرجسيته وشهوانيته، واحترام الحدود القانونية والإنسانية داخل فضائه المهني، صار اليوم يحاضر في الحدود الرقمية للدولة، ومن استعمل موقعه لاستغلال مستخدمات، يقدم نفسه الآن حارسا افتراضيا لحقوق الموظفين وحاميا لمعطياتهم الشخصية.
وشتان بين خبير يفحص الخوادم و"خبير" يفحص عداد المشاهدات، وشتان بين من ينتظر نتائج التحقيق ومن يصدر الاحكام وفق حاجته اليومية إلى المحتوى، وهذا حال زمننا هذا فحتى إن لم تكن لديك خبرة في الأمن السيبراني، يمكنك أن تصنعها في سوق "يوتيوب"، أما في الواقع فالحقيقة، فلها خوادم أخرى لا يفتحها اللاهثون وراء الـ"أدسنس".