الانتخابات تشتعل بوعود محاربة الفساد وفرض ضريبة على الأرباح الفاحشة

الكاتب : انس شريد

11 September 2026 - 10:00
الخط :

مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر 2026، تتجه الأحزاب السياسية المغربية إلى تكثيف خطابها الانتخابي وتقديم برامجها للناخبين، في سياق سياسي تتزايد فيه المطالب المرتبطة بتخليق الحياة العامة، وتعزيز الثقة في المؤسسات، وربط المسؤولية بالمحاسبة، إلى جانب البحث عن حلول عملية للإشكالات الاجتماعية والاقتصادية التي تشغل المواطنين.

وتأتي هذه الاستحقاقات في ظل حضور قوي لملفات التشغيل والسكن والتعليم والصحة والحماية الاجتماعية والقدرة الشرائية ضمن النقاش الانتخابي، بالتوازي مع تصاعد الاهتمام بملفات الفساد والريع وتضارب المصالح، باعتبارها قضايا ترتبط بشكل مباشر بفعالية السياسات العمومية وبمدى قدرة المؤسسات على حماية المال العام وتحقيق تكافؤ الفرص.

ومع انطلاق الحملات الانتخابية، بدأت الأحزاب الكبرى في الكشف عن جزء من تعهداتها وتصوراتها للمرحلة المقبلة، حيث برزت محاربة الفساد والريع، وتشديد الرقابة على المال العام، ومراجعة بعض الآليات الجبائية، ضمن أبرز العناوين التي تحضر في البرامج الانتخابية والتصريحات السياسية، إلى جانب وعود مرتبطة بالتشغيل والاستثمار وتحسين أداء الإدارة.

وفي هذا السياق، دافعت ليلى بنعلي، عضو المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة، عن قابلية البرنامج الانتخابي للحزب للتنفيذ، مؤكدة أن تمويل الالتزامات المقترحة يمكن أن يستند، من بين آليات أخرى، إلى فرض ضريبة على الأرباح الفاحشة التي تحققها بعض الشركات المستفيدة من الأزمات.

وأوضحت أن المقترح يهم بالأساس الشركات التي تحقق أرباحاً استثنائية في ظل الأزمات، بهدف توجيه جزء من هذه الموارد نحو تمويل برامج الدعم المباشر، مشيرة إلى أن معالجة مسألة الأسعار كان يفترض، بحسب تصورها، أن تنطلق منذ سنة 2015 عبر إصلاح ضريبي قادر على الحد من استفادة بعض الفاعلين الاقتصاديين من الظروف الاستثنائية.

وشددت بنعلي على أن الشركات المستفيدة من الأزمات ينبغي أن تتحمل بدورها جزءاً من كلفة تمويل الدعم المباشر، مؤكدة أن البرنامج الانتخابي لحزب الأصالة والمعاصرة لم يُصغ بمعزل عن التجربة الحكومية، وإنما يستند إلى حصيلة مشاركة الحزب في تدبير الشأن العام وما راكمه وزراؤه من تجربة خلال الولاية الحكومية.

وفي المقابل، جعل حزب الاستقلال من محاربة الفساد والريع وتضارب المصالح أحد المحاور الأساسية في برنامجه الانتخابي، مقدماً هذه الظواهر باعتبارها تتجاوز كونها اختلالات مرتبطة بتدبير الشأن العام، لتتحول إلى كلفة يتحملها المواطن بشكل غير مباشر من خلال ارتفاع الأسعار وتراجع جودة بعض الخدمات.

ويضع الحزب مبدأ "صفر تسامح مع الفساد وتضارب المصالح" ضمن التزاماته السياسية، مقترحاً حزمة من الإجراءات التي يقول إنها تستهدف تعزيز الشفافية وتشديد آليات المراقبة والحد من استغلال مواقع المسؤولية لتحقيق مصالح خاصة.

ومن بين أبرز المقترحات التي يتضمنها البرنامج، الدعوة إلى سن قانون خاص بتضارب المصالح يحدد بشكل دقيق حالات التنافي المرتبطة بمواقع القرار، ويضع قواعد واضحة لتنحي المسؤول عن المشاركة في اتخاذ قرار عندما تكون له مصلحة شخصية فيه، مع ترتيب عقوبات في حالات إخفاء تضارب المصالح أو مخالفة القواعد المنظمة له.

كما يقترح الحزب تعزيز القيمة العملية للتصريح بالممتلكات، من خلال إسناد مهمة تتبع هذه التصاريح إلى المجلس الأعلى للحسابات، والتحقق من مدى صدقيتها، ورصد حالات الإثراء غير المشروع، مع ترتيب الآثار القانونية اللازمة متى أظهرت عمليات المراقبة وجود مخالفات تستوجب التدخل.

وفي مواجهة مظاهر الريع والاحتكار، يتضمن البرنامج الانتخابي لحزب الاستقلال مقترحاً يقضي باعتماد معدل ضريبي يصل إلى 40 في المائة على الأنشطة التي تستفيد من وضعيات احتكارية أو من ريع اقتصادي استثنائي، وذلك وفق معايير موضوعية يتم تحديدها بمقتضيات قانونية واضحة.

ويطرح الحزب كذلك الانتقال من نظام الترخيص إلى دفاتر التحملات، عبر إعادة تنظيم الرخص والامتيازات القائمة وتحويلها إلى آليات مؤطرة بشروط واضحة وشفافة، في خطوة يقول إن من شأنها الحد من منطق الريع وفتح المجال أمام الشباب والمقاولات الصغرى للاستفادة من فرص اقتصادية أكثر عدالة.

وفي الجانب المرتبط بالإدارة، يقترح البرنامج تفعيل قاعدة "سكوت الإدارة بمثابة موافقة" داخل أجل محدد ومعلن بالنسبة إلى المساطر الإدارية الخاضعة للترخيص، إلى جانب اعتماد وصل إلكتروني فوري عند إيداع الطلب، بما يسمح بإثبات تاريخ تقديمه وانطلاق احتساب الآجال القانونية.

من جهته، يضع حزب التجمع الوطني للأحرار بدوره ملف النزاهة وتدبير المسؤولية العمومية ضمن تعهداته الانتخابية، حيث يتعهد، في حال تصدره الانتخابات وتشكيله الحكومة المقبلة، بإبعاد كل مسؤول تحوم حوله شبهات جدية مرتبطة بالصفقات العمومية أو الميزانيات أو تضارب المصالح عن المسؤولية خلال المائة يوم الأولى من عمر الحكومة.

أما حزب العدالة والتنمية، فيقدم بدوره مجموعة من المقترحات المرتبطة بمحاربة الفساد وتعزيز النزاهة، من بينها إخراج القوانين المتعلقة بالمخالفات المرتبطة بحالات تنازع المصالح، انسجاماً مع مقتضيات الفصل 36 من الدستور، إلى جانب تجريم الإثراء غير المشروع والتصدي للزيادات الكبيرة وغير المبررة في الثروة.

ويتضمن البرنامج أيضاً مقترحاً لتجريم تسريب المعلومات المتميزة بهدف تحقيق منافع أو امتيازات، فضلاً عن وضع آليات لحماية الموظفين والمسؤولين العموميين الذين يبلغون عن أفعال فساد داخل الإدارات العمومية، مع تحيين التشريع المرتبط بالتصريح الإجباري بالممتلكات.

ويمتد تصور الحزب إلى مراجعة عدد من النصوص القانونية ذات الصلة بتدبير الموارد والمجال العمومي، من خلال مراجعة قانون المقالع وقانون الاحتلال المؤقت للملك العمومي، إلى جانب إعادة النظر في عدد من الآليات المرتبطة بمحاربة الفساد والوقاية منه.

ولا يحصر حزب العدالة والتنمية مقاربته في الجانب التشريعي، إذ يدعو كذلك إلى تحيين وإعادة تفعيل الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد، وإعطاء دينامية جديدة للجنة الوطنية لمكافحة الفساد، مع الالتزام بعقد اجتماعاتها بصورة دورية ونشر مخرجاتها والعمل على تنزيل توصياتها.

وفي السياق ذاته، يطرح الحزب تعزيز استقلالية وفعالية مؤسسات الحكامة والنزاهة والمنافسة والرقابة المالية، مع التأكيد على ضرورة تفعيل توصياتها، وترسيخ فصل واضح بين المسؤولية والوظيفة العموميتين من جهة، والمصالح الاقتصادية الخاصة من جهة أخرى، إلى جانب تعزيز شفافية العلاقات التي تجمع المسؤولين العموميين بالمقاولات.

ويحضر القضاء والرقابة على المال العام كذلك ضمن هذا التصور، إذ يربط الحزب محاربة الفساد بإصلاح منظومة العدالة وتعميق استقلاليتها ونزاهتها، مع منح القضاء دوراً أكثر فعالية في حماية المال العام وتوسيع نطاق المراقبة القضائية المرتبطة بالصفقات العمومية.

كما يتعهد الحزب بضمان سرعة وفعالية تنفيذ الأحكام القضائية الصادرة في مواجهة الدولة والجماعات الترابية والمؤسسات العمومية، باعتبار أن تنفيذ الأحكام يشكل، وفق تصوره، أحد المداخل الأساسية لترسيخ سيادة القانون وضمان فعالية العدالة.

وبذلك، يكشف النقاش الانتخابي مع اقتراب موعد الاستحقاقات التشريعية عن تنافس متزايد بين الأحزاب حول تقديم وصفات لمواجهة الفساد والريع وتضارب المصالح، مع اختلاف واضح في الأدوات المقترحة، بين إجراءات جبائية تستهدف الأرباح المرتفعة والأنشطة الاحتكارية، وتشريعات جديدة لمحاصرة تنازع المصالح والإثراء غير المشروع، وإجراءات لتقوية الرقابة والقضاء وحماية المال العام.

ومع دخول الحملة الانتخابية مراحلها الحاسمة، يتجه الرهان من مجرد إطلاق الوعود إلى قدرة الأحزاب على تقديم برامج قابلة للتنفيذ، وتحديد آليات تمويلها، وتحويل التعهدات المرتبطة بالنزاهة ومحاربة الفساد إلى إجراءات ملموسة يمكن قياس نتائجها ومحاسبة المسؤولين عنها خلال الولاية المقبلة.

آخر الأخبار