الحملة الانتخابية تشتعل في المنصات الرقمية.. الإعلانات الممولة تفتح باب الجدل بالبيضاء
مع دخول الحملة الانتخابية الخاصة بالاستحقاقات التشريعية المرتقبة يوم 23 شتنبر الجاري مراحلها الحاسمة، اتسعت رقعة التنافس بين الأحزاب والمرشحين لتشمل الفضاء الرقمي بشكل لافت، بعدما أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي والمنصات الإلكترونية جزءا أساسيا من أدوات التواصل مع الناخبين.
ولم يعد حضور المرشح يقتصر على اللقاءات الميدانية والتجمعات الانتخابية، بل بات يمتد إلى الصفحات والحسابات الرقمية التي تحولت إلى واجهة يومية لعرض المواقف والبرامج وتوجيه الرسائل الانتخابية.
هذا التحول فرض واقعا جديدا على الحملة الانتخابية، إذ أصبحت المضامين الرقمية تخضع بدورها لمتابعة أكبر من جانب المتنافسين، في وقت تثير فيه الإعلانات الممولة تساؤلات بشأن طبيعتها والجهات التي تقف وراء تمويلها والضوابط القانونية المؤطرة لنشرها.
وتزداد أهمية هذا النقاش مع اقتراب نهاية الحملة ودخول الفترة التي تتوقف فيها الدعاية الانتخابية، وما يترتب عن ذلك من قيود على استمرار بعض أشكال التواصل الانتخابي عبر الوسائط الرقمية.
وبحسب ما رصدته الجريدة 24، فإن النقاش حول الحملات الرقمية لم يعد مرتبطاً فقط بمضمون المنشورات التي تنشرها الأحزاب والمرشحون، وإنما امتد إلى طريقة إيصالها إلى المستخدمين، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمحتويات يجري الترويج لها بواسطة آليات الإعلانات المدفوعة.
فالفارق بين منشور عادي يظهر على صفحة انتخابية وإعلان يتم توسيع نطاق انتشاره بواسطة تمويل مالي أصبح يحظى باهتمام متزايد في أوساط المتنافسين والمتابعين للعملية الانتخابية.
وفي عدد من الدوائر الانتخابية بالعاصمة الاقتصادية، تزامن تصاعد النشاط الميداني مع تكثيف الحضور الإلكتروني، حيث شرعت حسابات وصفحات مرتبطة بفاعلين سياسيين في نشر مضامين انتخابية بوتيرة متسارعة، بالتوازي مع اللقاءات المباشرة مع الناخبين.
ومع ارتفاع حدة المنافسة، بدأت بعض الأطراف في متابعة ما ينشره خصومها على المنصات الرقمية، بحثاً عن مضامين أو ممارسات قد تثير نقاشاً حول مدى احترام القواعد المنظمة للحملة.
وتشير معطيات توصلت بها الجريدة 24 إلى أن عدداً من المتنافسين انخرطوا في عملية رصد وتوثيق للمحتويات الرقمية المتداولة خلال الفترة الانتخابية، خصوصاً تلك التي تحمل طابعاً انتخابياً أو ترتبط بشكل مباشر بحملات المرشحين.
ويعكس هذا السلوك ارتفاع مستوى الحذر بين المتنافسين، في ظل إدراك متزايد لأهمية المحتوى الرقمي وما يمكن أن يترتب عن بعض المنشورات من تداعيات سياسية أو قانونية.
وفي السياق نفسه، لجأ بعض المتنافسين إلى الاستعانة بمفوضين قضائيين لمعاينة محتويات منشورة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، بهدف تثبيت مضمونها وتاريخ نشرها والبيانات المرتبطة بها.
وتكتسي هذه الخطوة أهمية خاصة في التعامل مع المحتوى الرقمي، الذي يمكن تغييره أو حذفه في أي وقت، الأمر الذي يجعل توثيق المنشور في لحظة معاينته وسيلة لإثبات وجوده ومضمونه عند الحاجة إلى الاستناد إليه في مسطرة قانونية.
ويأتي هذا الحراك في ظل دخول مقتضيات جديدة حيز التطبيق لتنظيم جوانب من الممارسة الانتخابية في الفضاء الرقمي. فالقانون التنظيمي رقم 53.25، لا يحظر على الأحزاب والمترشحين استعمال منصات مثل فيسبوك وإنستغرام وتيك توك للتواصل مع المواطنين، غير أنه وضع ضوابط خاصة بالإعلانات السياسية والمنشورات الانتخابية المؤدى عنها عبر المنصات أو المواقع الإلكترونية الأجنبية.
وتكتسي المادة 40 من القانون المذكور أهمية خاصة في هذا السياق، بعدما ربطت المسؤولية القانونية بنشر الإعلانات السياسية أو المنشورات الانتخابية المؤدى عنها على منصات أو مواقع إلكترونية أجنبية، مع ترتيب غرامة مالية تتراوح بين 50 ألفاً و100 ألف درهم في الحالات التي تنطبق عليها المقتضيات الزجرية المحددة قانونا.
ويطرح ذلك تحدياً عملياً أمام الفاعلين السياسيين، بالنظر إلى أن جزءاً كبيراً من أدوات الإعلان الرقمي المتاحة للأحزاب والمرشحين يعتمد على منصات دولية. وبالتالي، فإن مجرد استعمال شبكة اجتماعية لا يعني بالضرورة قيام مخالفة، وإنما تظل طبيعة المحتوى المنشور، وكيفية تمويله، والمنصة المستعملة والظروف التي تم فيها الترويج له، عناصر أساسية في تحديد مدى خضوعه للمقتضيات القانونية.
وفي هذا الإطار، أعاد استمرار ظهور إعلانات ذات مضمون سياسي أو انتخابي على منصات رقمية كبرى، من بينها فيسبوك وإنستغرام، النقاش حول كيفية تنزيل القواعد الجديدة على أرض الواقع، خاصة عندما تكون الإعلانات مرتبطة بصفحات أو حسابات تابعة لأحزاب أو فاعلين سياسيين.
كما يطرح الأمر تساؤلات بشأن كيفية التمييز بين التواصل السياسي العام وبين المحتوى الانتخابي المدفوع الذي يستهدف توسيع نطاق الوصول إلى الناخبين.
وتزداد حساسية الموضوع مع اقتراب موعد نهاية الحملة الانتخابية، إذ إن الانتقال إلى فترة الصمت الانتخابي يفرض على مختلف المتنافسين احترام القيود المرتبطة بالترويج الانتخابي.
ومع ارتفاع وتيرة التحركات السياسية، تزايدت الدعوات داخل الأوساط المتنافسة إلى احترام القواعد المؤطرة للحملة وتفادي أي ممارسة يمكن أن تمنح طرفاً انتخابياً أفضلية غير مشروعة على حساب منافسيه.
وبالتزامن مع ذلك، ارتفعت حدة التنافس وتبادل الاتهامات بين عدد من المنتخبين والمرشحين، بينما أصبحت المنصات الاجتماعية فضاءً موازياً للمواجهة السياسية، حيث يتم تداول المقاطع والخطابات والصور والردود بسرعة كبيرة، الأمر الذي يجعل كل خرجة انتخابية قابلة للانتشار خارج نطاقها الجغرافي الأصلي وتحولها إلى مادة للنقاش العام.
ومع اقتراب يوم الاقتراع، يتوقع أن يزداد التركيز على المضامين الرقمية المتداولة، خصوصا الإعلانات المدفوعة والمنشورات ذات الطابع الانتخابي، في وقت تسعى فيه مختلف الأطراف إلى توثيق ما تعتبره مخالفات محتملة والاستعداد، عند الاقتضاء، لسلوك المساطر القانونية المتاحة.