المنصوري تعرض برنامج حكومتها أمام البرلمان.. مواجهة الغلاء وتشغيل الشباب في صدارة الأولويات
قدمت فاطمة الزهراء المنصوري، رئيسة الحكومة، الاثنين 19 أكتوبر 2026، البرنامج الحكومي للفترة الممتدة من 2026 إلى 2031 أمام البرلمان، مستعرضةً حزمة من الالتزامات والإجراءات الرامية إلى تعزيز دولة الحق والقانون، ومحاربة الفساد والريع، وتحسين القدرة الشرائية للمواطنين، وتطوير الخدمات الاجتماعية، وإدماج الشباب في سوق الشغل، إلى جانب تقوية السيادة الاقتصادية والطاقية والمائية والرقمية للمملكة.
وأكدت المنصوري، في عرضها للبرنامج الحكومي، أن هذه المرحلة تأتي عقب الانتخابات التشريعية التي جرت في 23 شتنبر 2026، وفي إطار تفعيل مقتضيات الفصل 88 من دستور 2011، معتبرة أن البرنامج يستند إلى التوجيهات الملكية، ومخرجات النموذج التنموي الجديد، والطموح الرامي إلى بناء مغرب 2035، من خلال سياسات عمومية تستجيب لانتظارات المواطنين وتربط المسؤولية بالمحاسبة.
وحددت رئيسة الحكومة سبع أولويات كبرى لعمل الحكومة خلال الولاية الجديدة، تتمثل في توطيد دولة الحق والقانون، ومحاربة الفساد والريع، وصيانة الهوية الوطنية والمواطنة وتعزيز تماسك المجتمع، وضمان العيش الكريم وترسيخ الدولة الاجتماعية، وإدماج الشباب، وتأمين السيادة الاستراتيجية وتعزيز الإشعاع الدولي للمغرب، فضلاً عن بناء اقتصاد قادر على تمويل الطموح الاجتماعي والسيادي للمملكة.
وفي الشق المؤسساتي والحقوقي، شددت المنصوري على مواصلة تحديث المؤسسات وتوسيع الحقوق والحريات، وتعزيز استقلال القضاء وتقوية أدوار البرلمان، وترسيخ مبادئ الحكامة الجيدة والمشاركة المواطنة والمناصفة، إلى جانب تكريس ربط المسؤولية بالمحاسبة ومحاربة الممارسات التي تقوض الثقة في المؤسسات.
وعلى مستوى القضايا الوطنية والدولية، أكدت الحكومة مواصلة الدفاع عن الوحدة الترابية للمملكة، وتعزيز تنمية الأقاليم الجنوبية، في ضوء قرار مجلس الأمن رقم 2797 الصادر في 31 أكتوبر 2025، وما يتضمنه من دعم لمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.
كما جددت التأكيد على دعم القضية الفلسطينية، والدفاع عن القدس الشريف، والتمسك بحل الدولتين، مع استحضار الدور الذي يضطلع به الملك بصفته رئيس لجنة القدس.
وفي المجال الاجتماعي والحقوقي، وضعت الحكومة إصلاح مدونة الأسرة ضمن الملفات التي ستواصل الاشتغال عليها، وفق التوجيهات الملكية وتوجيهات أمير المؤمنين، انطلاقاً من اعتبار الأسرة أساس التوازن المجتمعي.
وأكدت المنصوري اعتماد سياسة مندمجة لفائدة الطفولة والشباب والمسنين، وتعزيز حماية النساء والأطفال والأشخاص في وضعية إعاقة، وتمكين النساء ومكافحة التمييز، إلى جانب حماية المعطيات الشخصية، وتبسيط مساطر ترخيص الجمعيات، وتفعيل الحق في الحصول على المعلومة.
وبخصوص تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية، أعلنت رئيسة الحكومة تخصيص ميزانية تبلغ ملياري درهم لصندوق خاص بهذا المجال، مع إحداث لجنة وزارية دائمة لدى رئاسة الحكومة تتولى تتبع إدماج الأمازيغية في التعليم والإدارة والقضاء والإعلام والتواصل العمومي. وستعمل اللجنة على إعداد تقرير سنوي يتضمن مؤشرات لقياس مستوى التغطية والتقدم المحرز في هذا الورش.
وفي سياق تعزيز التنمية المجالية، التزمت الحكومة برفع التحويلات المالية الموجهة إلى الجهات إلى ما لا يقل عن 12 مليار درهم ابتداءً من سنة 2027، مع إبرام عقود برامج تتضمن أهدافاً واضحة في مجالات التشغيل والاستثمار وتقليص الفوارق المجالية والاجتماعية.
كما تعهدت بمواصلة تفعيل ميثاق اللاتمركز الإداري، وإطلاق برامج للتنمية الترابية المندمجة تستجيب لحاجيات المجالات المحلية.
أما في مجال محاربة الفساد والريع، فأكدت المنصوري التوجه نحو تجريم الإثراء غير المشروع، ومعاقبة تضارب المصالح تطبيقاً للفصل 36 من الدستور، وتعزيز منظومة التصريح الإجباري بالممتلكات، وتجريم إفشاء المعلومات بهدف الحصول على امتيازات غير مستحقة.
كما شددت على تقوية التنسيق مع مجلس المنافسة، والتصدي للممارسات المخلة بالتنافسية، إلى جانب اعتماد مقتضى قانوني يلزم بتخصيص 30 في المائة من قيمة الصفقات العمومية للمقاولات المغربية الصغرى والمتوسطة.
وفي مواجهة غلاء المعيشة والضغط المتواصل على القدرة الشرائية، تعهدت الحكومة بإعداد خطط لتموين السوق بالمنتجات الاستراتيجية، وتقريب المنتج من المستهلك عبر شركات جهوية ومنصات مهنية للتجميع والتسويق، مع إصلاح مسالك توزيع اللحوم والأسماك وضبط العلاقة بين التصدير وحاجيات السوق الوطنية، بما يضمن استقرار التموين والحد من الاختلالات التي تؤثر على الأسعار.
ومن بين الإجراءات الاجتماعية المعلنة، إقرار تعويض اجتماعي تلقائي يعادل قيمة فاتورة الكهرباء الشهرية، بالنسبة إلى الأسر المستحقة التي لا تتجاوز فاتورتها 100 درهم، شريطة أن يتعلق الأمر بالمسكن الرئيسي، وذلك دون الحاجة إلى تقديم طلبات ورقية أو التنقل بين الإدارات.
كما تعهدت الحكومة بإصلاح تدريجي لضريبة الدخل، ومواصلة تطوير منظومة الدعم الاجتماعي، بهدف رفع قيمة الدعم من 500 درهم إلى 1000 درهم عند نهاية الولاية الحكومية، إلى جانب توسيع نطاق الاستفادة من التعويض عن فقدان الشغل.
وفي ملف التقاعد، أعلنت المنصوري التوجه نحو إصلاح شامل للمنظومة، بتشاور مع الشركاء الاجتماعيين والاقتصاديين، مع الالتزام برفع الحد الأدنى للمعاشات الرئيسية إلى 3000 درهم شهرياً في مختلف الأنظمة.
كما تعهدت برفع معاش الأرملة إلى 100 في المائة من المعاش الرئيسي الذي كان يستحقه الزوج المتوفى، عوض النسبة الحالية المحددة في 50 في المائة، مع الحفاظ على حقوق الأيتام وباقي ذوي الحقوق.
وفي قطاع الصحة، يرتكز البرنامج الحكومي على سد الخصاص في العرض الصحي بين المجالات الترابية، وتحسين مسلك العلاج وتجويد خدمات الاستقبال والاستعجالات، وتعميم المساعدة الطبية المستعجلة.
كما يشمل إرساء منظومة معلوماتية صحية وطنية موحدة، ومواصلة الإصلاح المؤسساتي للقطاع، وتطوير نظام الوظيفة العمومية الصحية، وتعزيز الموارد البشرية وتحسين توزيعها بما يستجيب لحاجيات المواطنين.
أما في التعليم، فقد حددت الحكومة هدفاً يتمثل في رفع نسبة التلاميذ المتحكمين في التعلمات والكفايات الأساسية إلى 80 في المائة على الأقل بحلول سنة 2031. ولتحقيق ذلك، تعتزم توسيع نموذج مؤسسات الريادة، واعتماد مرجع وطني ملزم للتعلمات، وإجراء تقييمات تشخيصية منتظمة، وتوفير دعم تربوي فردي للتلاميذ، مع تسريع رقمنة المنظومة التعليمية.
كما وضعت الحكومة هدف «صفر انقطاع عن الدراسة» بحلول سنة 2030، من خلال إرساء آليات للرصد المبكر للتلاميذ المهددين بمغادرة المدرسة، والتتبع الفردي للحالات، وتوفير مسارات لإعادة الإدماج في التعليم أو التكوين المهني أو التكوين بالتدرج، بما يحد من الهدر المدرسي ويمنح الشباب فرصاً أفضل لاكتساب المؤهلات اللازمة للاندماج المهني.
وفي مجال السكن، أعلنت الحكومة اعتماد سياسة متكاملة للفترة 2026–2031، تشمل تطوير عرض وطني للسكن المخصص للكراء، وإيجاد حلول سكنية لفائدة موظفي القطاعات التي تواجه صعوبات في الاستقطاب، ومواصلة القضاء على السكن غير اللائق.
كما التزمت بتأهيل أو بناء 100 ألف مسكن قروي خلال الولاية الحكومية، مع تقديم دعم مباشر بقيمة 40 ألف درهم للأسرة المستوفية لشروط الاستفادة، ومواكبة تقنية مجانية.
ويتضمن البرنامج كذلك إعداد قانون للتعمير بالوسط القروي، بهدف تبسيط المساطر وتسوية وضعية المباني القائمة متى ثبتت سلامتها واحترامها لحقوق الغير، بما يسهم في تحسين ظروف السكن وتقليص الإكراهات الإدارية التي تواجه الأسر في المناطق القروية.
وشكل تشغيل الشباب أحد أبرز محاور البرنامج الحكومي، في ظل التحديات المرتبطة ببطالة هذه الفئة وصعوبة انتقالها من التعليم إلى الحياة المهنية.
وفي هذا السياق، أشارت المنصوري إلى أن نحو 2.9 مليون شاب وشابة تتراوح أعمارهم بين 15 و29 سنة يوجدون خارج التعليم والتكوين والشغل، فيما تبلغ نسبة البطالة 29.2 في المائة لدى الفئة العمرية الممتدة بين 15 و24 سنة، ويغادر نحو 300 ألف تلميذ الدراسة سنوياً دون الحصول على تأهيل.
واعتباراً من سنة 2027، تعتزم الحكومة تكوين 100 ألف شاب سنوياً وفق حاجيات المقاولات، وتمكين نحو 100 ألف شاب آخر من خوض أول تجربة مهنية كل سنة، إلى جانب رفع الطاقة الاستيعابية للتكوين بالتدرج إلى ما بين 150 ألفاً و200 ألف مستفيد سنوياً.
كما يشمل البرنامج مواكبة 60 ألف مقاولة، وإبرام اتفاقيات للحركية المهنية القانونية مع الدول التي تحتاج إلى مهن محددة، وإحداث جواز للحركية المهنية، فضلاً عن توفير مساكن للكراء بأسعار مناسبة لتيسير تنقل العمال والباحثين عن فرص الشغل.
وفي مجال الانتقال الطاقي، حددت الحكومة هدف رفع حصة الطاقات المتجددة إلى أكثر من 52 في المائة من المزيج الطاقي الوطني بحلول سنة 2030.
كما تعتزم مواصلة تطوير العرض المغربي في مجال الهيدروجين الأخضر، وإعداد خارطة طريق للبنية التحتية الخاصة بالغاز، وتعزيز النجاعة الطاقية، بما يساهم في تقوية الأمن الطاقي وتقليص التبعية الخارجية.
أما في ما يتعلق بالأمن المائي، فقد أكدت المنصوري التوجه نحو مضاعفة إنجاز السدود، مع إعطاء الأولوية للمناطق الجافة وشبه الجافة والمناطق الجبلية والواحات.
كما تعتزم الحكومة توسيع مشاريع تحلية مياه البحر بهدف تعبئة 1.8 مليار متر مكعب في أفق سنة 2031، إلى جانب تطوير عمليات تحويل المياه بين الأحواض والجهات عند الضرورة، مع مراعاة التوازنات المائية والبيئية، وإعداد مخطط وطني للماء يؤطر الاختيارات والتدخلات على المدى المتوسط والبعيد.
وفي ما يخص الأمن الغذائي، يستهدف البرنامج رفع حصة البذور الوطنية من 20 في المائة إلى 50 في المائة خلال الولاية الحكومية، وتعزيز المخزونات الاستراتيجية وضمان انتظام تموين السوق، ومراجعة مخزون الحبوب، وضبط صادرات السلاسل الحساسة بما يضمن إعطاء الأولوية لحاجيات السوق الداخلية.
كما يشمل إعادة تكوين القطيع الوطني، ودعم صغار الكسابة، وتسهيل الولوج إلى السلالات عالية الإنتاجية، وحماية السلالات المحلية، وتعزيز اليقظة الوبائية والصحية.
وفي إطار تعزيز السيادة الرقمية، أعلنت الحكومة العمل على إرساء آلية وطنية للأمن السيبراني وحماية البيانات والأنظمة الحيوية، وتوسيع الولوج إلى الإنترنت، خصوصاً في المناطق النائية.
كما تعتزم وضع إطار منظم لاستخدام الذكاء الاصطناعي بصورة آمنة ومسؤولة، والعمل على جذب الاستثمارات ودعم المقاولات الناشئة المبتكرة في المجال الرقمي والتكنولوجي.
وعلى المستوى الصناعي والاستراتيجي، شددت المنصوري على مواصلة تفعيل المبادرات الملكية ذات البعد الإفريقي والأطلسي، وتطوير الممرات البحرية واللوجستية والطاقية، وتعزيز المهن الجديدة والصناعات منخفضة الكربون.
ويتضمن البرنامج أيضاً بناء قاعدة صناعية وتكنولوجية دفاعية، والعمل على تطوير أسطول بحري تجاري وطني، ومواصلة مشاريع الموانئ والمناطق اللوجستية والصناعية، بما يعزز موقع المغرب في سلاسل الإنتاج والتجارة الدولية.
اقتصادياً، أكدت رئيسة الحكومة أن المرحلة المقبلة تتطلب تحقيق توازن بين الإنتاج والخدمات، وتنويع النسيج الاقتصادي، وتعزيز امتلاك التكنولوجيا، وتسريع التحول الطاقي والرقمي والعلمي، ودعم الصناعة الوطنية والمنتوج المغربي من أجل تعويض الواردات، خصوصاً في ما يتعلق بالمنتجات تامة الصنع.
كما أعلنت مواصلة تنزيل خارطة الطريق السياحية للفترة 2027–2030، بهدف استقطاب 26 مليون سائح بحلول سنة 2030.
وفي السياق ذاته، تستهدف الحكومة رفع مساهمة القطاع الخاص إلى ثلثي الاستثمار الوطني، من خلال تفعيل ميثاق الاستثمار، وإصلاح المراكز الجهوية للاستثمار، وتعزيز مواكبة المقاولات الصغيرة جداً والصغرى والمتوسطة.
كما تعتزم توسيع مصادر التمويل البنكي وغير البنكي، وتعبئة الادخار الوطني وإنعاش الأسواق المالية، إلى جانب إعادة هيكلة المحفظة العمومية بهدف تحسين أدائها وتعزيز مساهمتها في الاستثمار والتنمية.
وعلى مستوى المؤشرات الاقتصادية الكبرى، حدد البرنامج الحكومي هدف تحقيق متوسط نمو سنوي في حدود 5 في المائة خلال الفترة 2027–2031، والحفاظ على التضخم في حدود 2 في المائة سنوياً، وتقليص عجز الميزانية إلى 3 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي خلال الفترة 2026–2031. كما يستهدف وضع المديونية العمومية في مسار تنازلي، لتبلغ قرابة 62 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي بحلول سنة 2031.
وفي ختام عرضها، أكدت المنصوري أن الحكومة ستكون في خدمة جميع المغاربة، وأنها تمد يدها إلى مكونات الأغلبية والمعارضة، والشركاء الاجتماعيين والاقتصاديين، وفعاليات المجتمع المدني والحقوقي والإعلامي، والكفاءات الوطنية.
وشددت على أن باب الحوار سيظل مفتوحاً أمام المقترحات الجادة والنقد البناء، معربة عن تطلعها إلى نيل ثقة مجلس النواب لتنفيذ البرنامج الحكومي وتحويل أهدافه إلى إجراءات ملموسة تستجيب لانتظارات المواطنين.