إصلاح التقاعد.. هل تنهي حكومة المنصوري جدل "الثالوث الملعون"؟
أعادت التصريحات الحكومية بشأن إصلاح أنظمة التقاعد فتح النقاش حول مستقبل هذا الملف الاجتماعي الحساس في المغرب، وسط ترقب الأجراء والمتقاعدين والنقابات المهنية لمآلات التوجه الجديد، ومدى استجابته للمطالب الرافضة لتحميل الموظفين وحدهم كلفة معالجة الاختلالات المالية التي تعاني منها صناديق التقاعد.
وتأتي هذه التطورات في سياق نقاش متواصل حول سبل ضمان استدامة المنظومة، دون المساس بالحقوق المكتسبة أو تقليص القدرة الشرائية للمتقاعدين، خاصة في ظل الارتفاع المتواصل لتكاليف المعيشة والعلاج.
وفي هذا السياق، برزت كلمة فاطمة الزهراء المنصوري، في قبة البرلمان، بشأن اعتماد إصلاح شامل لأنظمة التقاعد، يقوم على التشاور مع الشركاء الاجتماعيين والاقتصاديين، باعتبارها مؤشرا على توجه نحو مقاربة أوسع من التدابير التقنية التي ارتبطت بالمقترحات السابقة.
وأكدت المنصوري أن معالجة هذا الملف لا يمكن أن تختزل في رفع سن الإحالة على التقاعد أو تعديل نسب الاشتراك أو تغيير طريقة احتساب المعاشات، مشددة على ضرورة إعادة بناء منظومة متماسكة تجمع بين توسيع الحماية الاجتماعية، وتقليص الفوارق بين الأنظمة، وضمان استمرارية التمويل وكفاية المعاشات.
وتفتح هذه المقاربة الباب أمام التساؤل بشأن مصير التصور الإصلاحي الذي سبق أن أثار اعتراضات واسعة خلال الولاية الحكومية السابقة، خصوصا في ما يتعلق بالإجراءات التي اعتبرتها النقابات مساسا مباشرا بمصالح الأجراء.
فقد ارتبط مشروع إصلاح التقاعد، الذي وصفته أوساط نقابية بـ"الثالوث الملعون"، بمخاوف من الجمع بين رفع سن التقاعد وزيادة الاقتطاعات وتغيير قواعد احتساب المعاشات، وهي إجراءات اعتبرتها المركزيات النقابية عبئا إضافيا على الموظفين، في وقت يطالب فيه المتقاعدون بتحسين دخولهم وضمان قدرتهم على مواجهة النفقات اليومية.
ورغم الإشارات التي حملتها التصريحات الحكومية بشأن ضرورة تجاوز الإصلاحات المحدودة، فإن الحديث عن التخلي النهائي عن المشروع السابق يظل رهينا بما ستكشف عنه الصيغة الرسمية للإصلاح، وبما ستسفر عنه المفاوضات مع النقابات وباقي الشركاء الاجتماعيين.
ومن أبرز النقاط التي منحت النقاش بعدا اجتماعيا مباشرا إعلان رئيسة الحكومة الجديدة، التوجه نحو الرفع التدريجي للحد الأدنى للمعاشات الرئيسية إلى 3000 درهم شهريا في مختلف الأنظمة.
ويكتسي هذا الالتزام أهمية خاصة بالنسبة إلى المتقاعدين الذين يتقاضون معاشات محدودة، إذ يمكن أن يشكل، في حال تنزيله وفق شروط واضحة وجدول زمني محدد، مدخلا لتحسين قدرتهم الشرائية والتخفيف من آثار ارتفاع أسعار المواد الأساسية والخدمات الصحية والأدوية.
ولا ينفصل هذا التوجه عن الوعود التي حملتها البرامج الانتخابية للأحزاب المشكلة للأغلبية الحكومية، حزب التقدم والاشتراكية والأصالة والمعاصرة والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والاستقلال، والتي جعلت إصلاح التقاعد وتحسين أوضاع المتقاعدين من بين القضايا المطروحة في النقاش العمومي.
فقد ركزت تصورات حزبية مختلفة على ضرورة ضمان حد أدنى ملائم للمعاشات، وتقليص التفاوتات بين المستفيدين، وتوسيع الحماية الاجتماعية، مع الحفاظ على التوازنات المالية للصناديق على المدى الطويل.
وفي هذا الإطار، برزت مقترحات تدعو إلى رفع الحد الأدنى للمعاشات بنسبة 25 في المائة، وتحسين استفادة المتقاعدين من الخدمات الصحية، إلى جانب المطالبة بضمان معاش لا يقل عن 3000 درهم شهريا، مع إيلاء اهتمام خاص للأرامل والفئات الأكثر هشاشة.
كما ركزت تصورات أخرى على توسيع نطاق التغطية الاجتماعية وتعزيز الاستفادة من العلاج، ولا سيما بالنسبة إلى المصابين بالأمراض المزمنة والمكلفة.
فيما دعت مقاربات حزبية مختلفة إلى اعتماد إصلاح تدريجي يوازن بين تحسين مستوى المعاشات وحماية الحقوق المكتسبة وضمان قدرة الصناديق على الوفاء بالتزاماتها المستقبلية.
وتكشف هذه التوجهات، على اختلاف تفاصيلها، عن وجود تقاطع حول ضرورة تجاوز المقاربة التي تنظر إلى التقاعد باعتباره مجرد تعويض مالي عن نهاية الحياة المهنية، نحو اعتباره جزءا أساسيا من منظومة الحماية الاجتماعية.
في المقابل، تواصل النقابات التشديد على أن معالجة اختلالات أنظمة التقاعد لا ينبغي أن تتم عبر إجراءات أحادية الجانب، أو من خلال تحميل الأجراء الجزء الأكبر من تكلفة الإصلاح.
وتتمسك المركزيات النقابية بضرورة اعتماد حوار اجتماعي جدي يضمن مشاركة مختلف الأطراف في تحديد الحلول، مع مراعاة التفاوتات بين الأنظمة والقطاعات المهنية، والأخذ بعين الاعتبار حجم المساهمات السابقة والحقوق التي راكمها المنخرطون طوال مساراتهم المهنية.
وكان المقترح المتعلق برفع سن التقاعد إلى 65 سنة من أبرز النقاط التي أثارت رفضا نقابيا، بالنظر إلى انعكاساته المحتملة على مدة العمل وشروط الاستفادة من المعاش. وترى النقابات أن أي مراجعة لسن الإحالة على التقاعد ينبغي أن تستند إلى دراسة موضوعية لطبيعة المهن وظروف العمل والفوارق بين القطاعات، بدل اعتماد إجراء موحد لا يراعي الاختلافات القائمة بين الموظفين والأجراء.
كما تؤكد أن إصلاح المنظومة يجب أن يتضمن إجراءات ملموسة لتحسين المعاشات، وليس الاقتصار على تعديل المعايير التي تحدد سن التقاعد أو قيمة الاقتطاعات.
وتزداد أهمية هذه المطالب بالنظر إلى الصعوبات التي تواجه فئات من المتقاعدين في تدبير نفقاتها الشهرية، خصوصا مع ارتفاع كلفة السكن والغذاء والعلاج، وما يترتب عن التقدم في السن من احتياجات صحية متزايدة.
وفي انتظار اتضاح هذه التفاصيل، يبقى إصلاح التقاعد اختبارا حقيقيا لقدرة الحكومة على التوفيق بين الاستدامة المالية والإنصاف الاجتماعي، وبين حماية الحقوق المكتسبة والاستجابة للتحولات الديمغرافية والاقتصادية.