أزمة السكن بأكادير: حلم مهدور في ظل نقص الوعاء العقاري وجشع السماسرة
أمينة المستاري
تتخبط مدينة الانبعاث "أكادير" وسط دوامة خانقة من الغلاء العقاري الذي أصبح يحاصر أبناءها والوافدين عليها. فلم يعد الأمر مجرد تقلبات اقتصادية عادية تحكمها قواعد السوق، بل أصبح نزيفا يوميا يعكس صراعا خفيا بين حق أساسي في المأوى وبين أطماع مضاربين حولوا حجز وبناء المدينة إلى آلة حصد الأرباح على حساب كرامة الإنسان البسيط.
تعرف أكادير مفارقة "سوريالية"، فنسبة من الأسر تقضي لياليها في التفكير المؤرق للبحث عن سقف يسترها وسط ندرة مهولة، وفي المقابل تضج الأحياء السكنية بشقق مغلقة وموصدة الأبواب طيلة أشهر السنة.
مساكن صامتة أعدت لتبقى باردة وساكنة، في انتظار ذروة الموسم السياحي لتعود للحياة بأسعار فلكية لليلة الواحدة، أو تترك كمجرد أصول رأسمالية مجمدة أو تبقى مغلقة هربا من الوقوع في المشاكل بين أصحابها ومكتريها، والدخول في دوامة المحاكم.
هذا الجمود المفتعل خلق هوة سحيقة بين وفرة جغرافية وهمية للمساكن وعجز مادير حقيقي للمواطن الذي يقف مذهولا أمام منازل مظلمة لا تضيء إلا لجيوب المحتكرين.
تحكي فاطمة، 55 سنة، تجربة خاضتها مع قريبة لها في رحلة بحث مضنية عن سكن بأحياء الهدى والداخلة: " انتقلت قريبتي إلى مدينة أكادير، وطبعا تجندت لمساعدتها بحكم معرفتي ببعض الأحياء. بدأنا نتقصى عن المنازل باللجوء للسماسرة ثم حراس العمارات وفي كل مرة نواجه إما بأثمنة خيالية أو بانعدام شقة في تلك العمارة أو بعض المنازل المنفردة، ثم انتقلنا إلى مواقع التواصل الاجتماعي لكننا واجهنا جشعا من طرف بعض السماسرة، وفي كل مرة يخيب أملنا في أن نعثر على غايتنا، خصة عند مرورنا ببعض الدور أو المنازل المغلقة مما دفعني إلى التساؤل لما هي صامتة؟ ولماذا يرفض أصحابها فتحها في وجه المواطن لاسيما في حي الهدى. أما بالنسبة للشراء فلا تحدث، الشقق التي كانت بـ 25 مليون بحي السلام مثلا أصبحت تباع ب50 مليون سنتيم فأكثر، والمعضلة أن المشاريع التي هي قيد البناء تباع على الورق قبل البناء ولا مجال للحصول على شقة في حدود إمكانياتك...هي مشكلة ومحنة للوافدين على أكادير فعلا."
تآكلت القدرة الشرائية للمواطن بأكادير تدريجيا، وتحولت أحياء شعبية ومتوسطة لساحة صراع يومي لتأمين العيش والإيجار معا بالنسبة للأسر. أما الطلبة فمحنتهم كبيرة، خاصة منهم القادمين من قرى وهوامش سوس من أجل متابعة دراستهم بجامعة ابن زهر أو ببعض الثانويات والمعاهد التي أصبحت المدينة تتوفر عليها، فهم يدفعون الثمن بعد أن تحولت أبسط الغرف إلى مأوى بأسعار خيالية تستنزف المنحة الجامعية قبل أن تصرف، وتجعل عملية البحث عن هدوء داخل غرف مشتركة أمرا صعبا للغاية، مما يدفعهم إلى تحمل مشقة التنقل اليومي المكلف أو إعلان الاستسلام والاكتفاء بالدراسة عن بعد بالنسبة لمن لا تتطلب دراسته حضورا يوميا.
انتفاضة رقمية...شاشات تتحول لمنابر ترفض جشع العقار
لم تعد صرخة المواطن المتضرر من لهيب الأسعار بأكادير حبيسة الجدران الأربعة أو مجرد أحاديث هامشية في المقاهي، فقد انتقل الغضب إلى الواجهة الرقمية، لتتحول إلى ساحة مفتوحة للتنديد والاحتجاج عبر "هاشتاغات" تدعو لحماية المواطن من جشع السماسرة والغلاء واستنزاف كرامة الساكنة والطلبة، وتفضح الممارسات الريعية لأصحابا العقارات الذين يفضلون إبقاء منازلهم موصدة طيلة السنة انتظارا للسياح...مما جعل قضية كراء أكادير تتخطى الحدود المحلية لتصبح رأيا وطنيا، شكلت هذه "الهاشتاغات" أداة للمطالبة بخروج الجهات المنتخبة من صمتها وتفعيل آليات المراقبة وابتكار حلول لوضع حد لانفلات السوق العقاري بالمدينة. عبد الكريم الشافعي، رئيس الجمعية المغربية لحماية وتوجيه المستهلك بأكادير الكبير، اعتبر أن أسعار الكراء تشهد ارتفاعا كبيرا ليس فقط بأكادير بل وطنيا، خصوصا مع بداية الموسم الدراسي، حيث يتزايد الطلب على السكن من طرف الطلبة والوافدين من الموظفين في أوقات متفرقة من السنة، أو العاملين في القطاع الخاص.
وذكر الحقوقي أن سومة كراء غرفة واحدة داخل شقة يتراوج بين 1500 و2000 درهم، فيما وصل كراء الشقق إلى 5000 درهم شهريا، لاسيما بالأحياء القريبة من الكليات، مما يدفع عددا كبيرا للبحث بعيدا مما تنضاف معه مصاريف التنقل وهو ما يشكل عبئا على كاهل الأسر الفقيرة والطلبة، في الوقت الذي يظل العرض السكني الجامعي غير قادر على احتواء المقبولين للسكن.
ويرى الشافعي أن حل هذه الأزمة يكمن في تدخل الحكومة لضبط تدخل الوسطاء والسماسرة وأصحاب العقارات الذين يجنون أرباحا باهضة في وقت يتنصلون من أداء الضرائب والرسوم للدولة، واقترح أن تتدخل الدولة لإطلاق برامج لدعم الكراء الاجتماعي، وضبط أسعار العقارات لحماية القدرة الشرائية للأسر والطلبة على السواء.