المعارضة تفكك فرضيات مالية 2027 وتضع الوعود الاجتماعية للحكومة تحت المجهر
صعّدت فرق المعارضة البرلمانية انتقاداتها لمشروع قانون المالية لسنة 2027، مسلطة الضوء على ما اعتبرته اختلالات في الفرضيات الاقتصادية والاجتماعية المعتمدة، وفجوة بين الالتزامات الحكومية والاعتمادات المخصصة لتنفيذها، إلى جانب استمرار الضغوط على القدرة الشرائية وارتفاع البطالة وتفاوت الولوج إلى الخدمات العمومية.
وخلال المناقشة العامة للمشروع داخل لجنة المالية والتنمية الاقتصادية بمجلس النواب، تركز جانب مهم من النقاش على مدى قدرة الأرقام المدرجة في الميزانية على إحداث تغيير ملموس في حياة المواطنين، وعلى نجاعة السياسات العمومية في تحويل الموارد المالية إلى نتائج قابلة للقياس.
وفي هذا السياق، انتقدت رئيسة الفريق الحركي، ريم شباط، اعتماد فرضيات اقتصادية تظل مرتبطة بعوامل خارجية ومناخية يصعب التحكم فيها، معتبرة أن الرهان على محصول حبوب يبلغ 70 مليون قنطار يطرح تساؤلات بشأن واقعية التوقعات في ظل الإجهاد المائي وتقلبات التساقطات المطرية.
كما أثارت مخاطر التقلبات الدولية على أسعار الطاقة، في ظل فرضية سعر النفط عند 75 دولارا للبرميل وغاز البوتان عند 600 دولار للطن، محذرة من انعكاسات محتملة على التوازنات المالية وكلفة المعيشة.
وانتقدت، في المقابل، تراجع الاعتمادات المخصصة لصندوق المقاصة إلى 19.4 مليار درهم، مقابل 22 مليار درهم سنة 2026، معتبرة أن هذا الاختيار يستدعي توضيح مدى قدرة التدابير الحكومية على حماية الأسر من استمرار الغلاء.
وامتدت الانتقادات إلى الدعم العمومي والإعفاءات الجبائية، إذ طالبت شباط بتقييم أثر الامتيازات الممنوحة للمقاولات ومدى انعكاسها على الاستثمار والتشغيل والتنمية.
كما أثارت الإعفاءات الضريبية المرتبطة بالاتحاد الدولي لكرة القدم والشركات التابعة له، متسائلة عن المكاسب التي ستعود على الاقتصاد الوطني والمواطنين.
ودعت إلى تعزيز الرقابة على مسارات صرف المال العام، وتفعيل آليات ملموسة لمحاربة الفساد والإثراء غير المشروع وتضارب المصالح، مشيرة إلى أن كلفة الفساد والرشوة تتجاوز، وفق الأرقام التي استحضرتها، 50 مليار درهم سنويا.
كما حذرت من أن رفع الرسوم على أرباح شركات المحروقات إلى 40 في المائة، إذا لم تواكبه تدابير تحمي المستهلك، قد يؤدي إلى انتقال جزء من التكلفة إلى أسعار السلع والخدمات.
وفي ما يتعلق بالخدمات الاجتماعية، اعتبرت رئيسة الفريق الحركي أن تخصيص 45.4 مليار درهم لقطاع الصحة لا يكفي وحده لضمان العلاج للجميع، في ظل الخصاص المسجل في الأطر الطبية وشبه الطبية، خصوصا بالمناطق القروية والجبلية. وأثارت كذلك محدودية الاستفادة من المنح الجامعية، مشيرة إلى أن عدد الطلبة يتجاوز مليوناً و300 ألف، مقابل 421 ألف مستفيد من المنح، وفق المعطيات التي قدمتها، فضلا عن عجز يناهز 400 ألف سرير في الإيواء الجامعي.
ودعت إلى مراجعة معايير الاستحقاق ورفع قيمة المنح وصرفها شهريا، كما طالبت بتقديم حصيلة دقيقة لبرامج التشغيل، ومدى قدرتها على توفير مناصب مستدامة، في ظل التحديات المرتبطة ببطالة الشباب وحاملي الشهادات.
وشددت أيضا على ضرورة معالجة التفاوتات المجالية وتقييم أثر برامج التنمية الترابية التي رُصد لها 210 مليارات درهم على مدى ثماني سنوات.
من جهته، انتقد إدريس الأزمي الإدريسي، رئيس المجموعة النيابية لحزب العدالة والتنمية، ما اعتبره انحرافا بالنقاش البرلماني نحو السجال السياسي، ردا على مواقف وزير الاقتصاد والمالية فوزي لقجع، داعيا إلى التركيز على جوهر الاختيارات الاقتصادية ومردوديتها الاجتماعية.
واتهم الأزمي الحكومة بالتراجع عن تعهداتها بشأن تفادي ما وصفه بالرأسمالية المتوحشة، منتقدا الإعفاء الدائم من الضريبة على القيمة المضافة المرتبط باستيراد المواشي، ومحذرا من أن إحداث الشركات الجهوية لتوزيع الماء والكهرباء والخدمات المرتبطة بها قد يطرح تحديات تتعلق بالاحتكار والحكامة.
كما أثار إشكالية وضوح أثر الإصلاحات الضريبية على الأجور التي تقل عن 10 آلاف درهم، معتبرا أن الإجراءات المالية ينبغي أن تكون مفهومة للمواطنين وأن تظهر نتائجها بصورة مباشرة على مداخيلهم.
وفي المقابل، دعا ياسين عكاشة، رئيس فريق التجمع الوطني للأحرار، إلى تجاوز المزايدات السياسية والارتقاء بالنقاش حول مشروع قانون المالية إلى تقييم نجاعة السياسات العمومية وعدالة نتائجها.
غير أنه أثار بدوره تساؤلات بشأن طبيعة المجهود الاجتماعي المعلن، ولا سيما مبلغ 62 مليار درهم، الذي قال إنه يجمع اعتمادات وتدابير متفاوتة، من بينها 25 مليار درهم للتنمية و5.5 مليارات درهم لمراجعة الضريبة على الدخل، إلى جانب نفقات مرتبطة بالمعاشات والدعم الاجتماعي والتشغيل والصحة والتعليم.
واعتبر أن جمع هذه المبالغ تحت عنوان واحد لا يكفي لإثبات وجود مجهود اجتماعي إضافي بالحجم نفسه، داعيا الحكومة إلى تحديد الاعتمادات الجديدة فعليا، وتمييزها عن الالتزامات المستمرة والبرامج التي جرى إطلاقها في مراحل سابقة.
وركز عكاشة أيضا على آجال تنفيذ الالتزامات الاجتماعية، معتبرا أن ترحيل عدد منها إلى سنة 2031 يطرح سؤالا بشأن مدى الوفاء بالوعود خلال الولاية الحكومية الحالية. وتوقف عند إصلاح الضريبة على الدخل، والرفع من الدعم الاجتماعي المباشر، وتحسين الحد الأدنى للمعاشات، مشيرا إلى أن هذا الأخير سيبلغ 1700 درهم وفق التدابير المعلنة، في وقت سبق أن طُرح هدف الوصول به إلى 3000 درهم.
كما انتقد غياب تصور متكامل لإصلاح أنظمة التقاعد، وأثار مسألة التشاور مع النقابات والمنظمات المهنية، داعيا إلى توضيح الكلفة المالية للإصلاح وكيفية توزيع أعبائه بين الدولة وصناديق التقاعد والمقاولات والأجراء.
وفي ملف التشغيل، طالب بتقييم نتائج برامج التكوين والإدماج، ومدى قدرتها على توفير فرص عمل مستقرة بدل الاكتفاء بفرص مرتبطة بفترة الدعم العمومي.
وتكشف مجمل هذه المواقف عن تقاطع انتقادات المعارضة عند أسئلة تتجاوز حجم الميزانية وتوزيع اعتماداتها، لتشمل مصداقية الفرضيات الاقتصادية، ووضوح الالتزامات الحكومية، وقياس الأثر الفعلي للإنفاق العمومي.