عاد ملف الموظفين الأشباح داخل المحاكم إلى الواجهة، في ظل توجه وزارة العدل نحو تشديد إجراءات مراقبة الحضور والتصدي لحالات الغياب غير المبرر، في خطوة تستهدف تعزيز الانضباط الإداري والحد من الاختلالات التي تؤثر على سير المرافق القضائية وجودة الخدمات المقدمة للمرتفقين.
وفي هذا السياق، توعد عبد اللطيف وهبي، وزير العدل، باتخاذ إجراءات تأديبية صارمة في حق الموظفين الذين يثبت تغيبهم عن مقرات عملهم دون مبررات مقبولة، مؤكدا أن المرحلة المقبلة ستشهد تشديد الرقابة على الحضور، مع التوجه نحو تفعيل عقوبة العزل في الحالات التي تستدعي ذلك، بعدما أظهرت الإجراءات المعتمدة حاليا محدوديتها في وضع حد لهذه الممارسات.
وكشف المسؤول الحكومي خلال مناقشة مشروع الميزانية الفرعية لوزارة العدل أمام لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان والحريات بمجلس النواب، عن دراسة إمكانية اعتماد نظام البصمة الإلكترونية لتسجيل دخول الموظفين إلى المحاكم، مع توجيه معطيات الحضور إلى الإدارة المركزية بالرباط، بما يتيح تتبع وضعية الموظفين والتحقق من مدى التزامهم بأوقات العمل.
غير أن تنزيل هذا المقترح يواجه، بحسب وهبي، مجموعة من الإكراهات المرتبطة بالبنية الهندسية لبعض المحاكم، التي تتوفر على مداخل ومخارج متعددة قد يصل عددها إلى 12 أو 13 بابا، الأمر الذي قد يحد من فعالية المراقبة، خصوصا إذا تمكن الموظف من تسجيل حضوره عبر أحد المداخل ثم مغادرة المؤسسة القضائية من مدخل آخر دون أن يظل في مقر عمله.
كما طرح وزير العدل إمكانية الاستعانة بكاميرات المراقبة لضبط حركة الدخول والخروج، غير أن هذا الخيار يثير بدوره إشكالات مرتبطة بحماية الحياة الخاصة، إلى جانب صعوبات تنظيمية وأمنية، في ظل ضرورة الإبقاء على مخارج آمنة تتيح إخلاء المحاكم بسرعة في حالات الحريق أو غيرها من الظروف الطارئة.
وفي معرض حديثه عن الوسائل المعتمدة حاليا، توقف وهبي عند محدودية النظام الإلكتروني الذي يربط إثبات الالتحاق بالعمل بتشغيل الحاسوب المهني باستخدام كلمة المرور الخاصة بالموظف، معتبرا أن هذه الآلية لا تضمن بالضرورة وجود المعني بالأمر داخل مقر المحكمة، إذ يمكنه تسليم بيانات الولوج إلى شخص آخر يتولى تشغيل الحاسوب نيابة عنه، بما يجعل تسجيل الدخول الإلكتروني غير كاف للتحقق من الحضور الفعلي وممارسة المهام المهنية.
وأمام هذه الثغرات، لجأت الوزارة إلى عمليات تفتيش مباغتة للوقوف على مدى احترام الموظفين لالتزاماتهم المهنية، حيث أشار الوزير إلى تجربة نُفذت بمدينة تطوان وأسفرت عن اتخاذ قرارات تأديبية في حق موظفين لم يُعثر عليهم داخل مقرات عملهم خلال أوقات الدوام.
وتعكس هذه الخطوة توجها نحو الانتقال من الاكتفاء بالوسائل الإلكترونية إلى اعتماد مراقبة ميدانية تسمح بالتحقق من الحضور الفعلي.
وأكد وهبي أن الموظفين الذين يثبت تغيبهم دون مبرر مقبول سيكونون عرضة لعقوبة العزل، مع مراعاة الحالات التي يكون فيها الغياب مشروعا، مثل المرض، مشددا على أن الهدف يتمثل في وضع حد للتهاون في أداء الواجب المهني وضمان احترام قواعد العمل داخل المحاكم.
ويراهن وزير العدل على الجمع بين تطوير آليات المراقبة وتشديد الإجراءات التأديبية، معتبرا أن معالجة ظاهرة الموظفين الأشباح لا تتوقف عند توفير الوسائل التقنية، بل تتطلب أيضا ترسيخ ثقافة المسؤولية والالتزام، في ظل قناعة لديه بأن العقوبات المتخذة إلى حدود الآن لم تحقق المستوى المطلوب من الردع.