حين نلتفت بالتحليل والدراسة إلى السادس من نوفمبر عام 1975، فإننا لا نقف أمام مجرد حدث عابر في روزنامة الأيام، بل نجد أنفسنا وجهاً لوجه أمام لحظة فارقة في فلسفة حركة التاريخ العربي المعاصر: لحظة تجسدت في عبقرية "المسيرة الخضراء". واليوم، ونحن نستدعي هذه الذكرى في سياقها الراهن، تتبدى لنا بوضوح تلك المعادلة النادرة التي زاوجت بين كبرياء الجغرافيا والتخطيط الاستراتيجي المحكم.
دعونا نضع النقاط فوق الحروف، وننظر إلى المشهد من فوق "رادار التاريخ": لقد كان الملك الراحل الحسن الثاني يعلم، بحسه السياسي الرفيع وبُعد نظره الاستراتيجي، أن استرداد الأقاليم الصحراوية ليس مجرد ملف قانوني يُطرح في ردهات الأمم المتحدة، وإنما هو قضية وجود وحق تاريخي للمملكة المغربية.
ومن هنا، نبعت الفكرة الصاعقة؛ فكرة تحريك 350 ألف مواطن ومواطنة في زحف بشري سلمي، مسلح بالقرآن والأعلام. لقد كانت تلك الخطوة بمثابة "صدمة إيجابية" للنظام الدولي، أحرجت الاستعمار الإسباني وخلطت أوراق القوى الإقليمية والدولية على نحو لم يتوقعه أحد.
"المسيرة الخضراء" لم تكن مجرد عبور لحدود وهمية رسمها المستعمر، بل كانت تجسيداً حياً لـ "الكتلة الوطنية الحرجة"؛ حيث تلاحم العرش والشعب في سيمفونية إرادة واحدة.
إن العبقرية هنا لم تكمن في القدرة على الحشد فحسب، بل في إدارة الأزمة بأعلى درجات الانضباط السلمي، وهو ما جعلها نموذجاً يُدرس في أكاديميات العلوم السياسية حول كيفية استعادة السيادة دون إراقة قطرة دم واحدة.
حين نعود بالذاكرة، وبالتحليل الاستراتيجي، إلى خريف عام 1975، فإننا لا نطالع صفحة مطوية من تاريخ المغرب العربي، بل إننا نفتح "ملفاً حياً" كُتِبَ بحبر الإرادة الوطنية وكبرياء الجغرافيا.
واليوم، ونحن نعيش هذا العام ذكرى مرور واحد وخمسين عاماً على ذلك الحدث الفريد، أجد نفسي مدفوعاً لإعادة قراءة تلك الملحمة؛ لا من باب سرد الوقائع، فالوقائع يملكها الجميع، ولكن من باب تفكيك فلسفة "المسيرة الخضراء" وكيف صُنِعَ القرار في غرف العمليات المغلقة بالرباط.
دعونا نضع المشهد كله فوق "رادار التاريخ" لنرى كيف كانت تبدو الصورة:
أولاً: العبقرية الاستراتيجية في لحظة القرار
لقد كان الملك الراحل الحسن الثاني يدرك بحسه السياسي الرفيع وبُعد نظره، أن الاستعمار الإسباني للصحراء المغربية لم يكن مجرد احتلال عسكري فوق رمال ممتدة، بل كان محاولة لقطع الشرايين الطبيعية التي تربط المغرب بامتداده الإفريقي. وحين وصلت التقارير الدبلوماسية إلى قصر الرباط، مؤكدة أن المناورات الدولية تسعى لفرض "أمر واقع" يخدم مصالح قوى إقليمية ودولية، اتخذ الملك الراحل قراره التاريخي الصاعق.
إنني أزعم، من واقع معايشتي للأحداث وقراءتي للمستندات، أن العبقرية هنا تمثلت في عنصر المفاجأة واستخدام "القوة الناعمة الحرجة". لم يرسل المغرب فيالق الدبابات ولا أسراب الطائرات، بل أرسل "كتلة بشرية حرجة" قوامها 350 ألف مواطن ومواطنة. كانت تلك "صدمة استراتيجية" شلّت تفكير القيادة العسكرية الإسبانية في مدريد، وأربكت حسابات الدوائر الغربية التي لم تكن تمتلك في أدبياتها السياسية أي سيناريو للتعامل مع "زحف سلمي" يرفع المصاحف والأعلام الوطنية.
ثانياً: التلاحم العضوي وسيكولوجية الشعب
هناك بُعد سيكولوجي هام في هذه المسيرة لا يمكن للمحلل أن يغفله؛ وهو أن نداء الملك للحشد لم يكن يحتاج إلى أدوات قمع أو ترهيب، بل حرك "مخزوناً وطنياً" هائلاً من التعبئة الشعبية العفوية. لقد تحول المغرب، من شماله إلى جنوبه، إلى ورشة عمل كبرى: قطارات تتحرك، شاحنات تنقل المؤن، وخيام تُنصب في عمق الصحراء.
هذا التلاحم العضوي بين العرش والشعب أثبت للنظام الدولي أن القضية ليست نزاعاً حدودياً بين حكومات، وإنما هي قضية وجود وعقيدة شعب بأكمله. وهنا تكمن القيمة الحقيقية للمسيرة؛ إذ تحولت من خطة سياسية إلى "ملحمة وجدانية" صهرت كافة مكونات المجتمع المغربي في بوتقة واحدة.
ثالثاً: من جغرافيا الرمال إلى الرهان الأطلسي الجديد
وإذا انتقلنا من التاريخ إلى الواقع الراهن، فإننا نرى كيف تثمر هذه الشجرة التاريخية اليوم. إن ما تشهده الأقاليم الجنوبية للمملكة، بفضل الرؤية الملكية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، ليس مجرد عملية تنمية تقليدية (شوارع، ومستشفيات، ومدارس)، بل هو إعادة تموضع استراتيجي للمغرب كقوة إقليمية أطلسية.
إن تحويل مدينة العيون والداخلة إلى أقطاب اقتصادية واعدة، وفتح القنصليات الدولية بها، والاعترافات المتتالية بمغربية الصحراء (وآخرها الموقف الفرنسي والأمريكي الواضح)، يثبت أن المغرب نجح في تحويل "شرعية التاريخ" إلى "واقعية سياسية واقتصادية". إن "المبادرة الأطلسية" التي طرحها المغرب لربط دول الساحل بالمحيط، تجعل من الصحراء المغربية جسراً قارياً يربط إفريقيا بأوروبا وبالعالم.
المحصلة الأخيرة
إن "المسيرة الخضراء" لم تكن فصلاً وانتهى في (نونبر) 1975، بل هي تأصيل مستمر لسيادة الدولة؛ إنها المسيرة التي لا تتوقف، تتغير أدواتها لكن الهدف يظل ثابتاً.
بالأمس كانت المعركة معركة عبور للحدود الوهمية بالخطى والمصاحف، واليوم هي معركة تثبيت النفوذ الاقتصادي والدبلوماسي، وبناء مغرب الغد تحت الشعار الذي تذوب فيه كل الخلافات: الله - الوطن - الملك.