تواجه القارة الأوروبية تصاعداً غير مسبوق في "الحرب الهجينة" (Hybrid Warfare) التي بدأت تستهدف البنية التحتية والخدمات الحيوية اليومية للمواطنين دون إطلاق رصاصة واحدة.
فبدلاً من المواجهات العسكرية التقليدية، تُواجه أوروبا استراتيجية استنزاف رمادية تهدف إلى زعزعة الاستقرار الداخلي، وتكبيد الاقتصادات خسائر فادحة، وتقويض ثقة الجمهور في المؤسسات الأمنية.
تتجلى ملامح هذه الحرب الهجينة الروسية في عدة جبهات رئيسية تشهد تصعيداً مستمراً:
تهديدات القنابل الوهمية في الأجواء
انتقلت الحرب الهجينة مؤخراً بشكل مكثف إلى قطاع الطيران؛ حيث تعرضت عشرات الرحلات الجوية الأوروبية لإنذارات كاذبة بوجود متفجرات.
الاستنفار الأمني: اضطرت دول مثل بلغاريا، وإسبانيا، والتشيك، وإيطاليا، والنمسا، والدنمارك إلى إرسال مقاتلات عسكرية لمرافقة طائرات مدنية أو تحويل مساراتها وتفتيشها.
الهدف التكتيكي: يرى خبراء أمن الطيران في منصات مثل دويتشه فيله (DW) أن الهدف هو إرباك العمليات، واختبار كفاءة وسرعة استجابة السلطات الوطنية، وشل الحركة الجوية.
الأمن الغذائي "وهجمات الثلاجات"
تزامنت التهديدات الجوية مع اختراقات سيبرانية ضربت أنظمة التبريد في المتاجر الكبرى ومستودعات التخزين الغذائي في عدة دول أوروبية. تستهدف هذه الهجمات الأنظمة المدنية المتصلة بالإنترنت (IoT) بهدف إفساد السلع الإستراتيجية وإثارة القلق حول سلاسل الإمداد والأمن الغذائي.
استهداف منشآت الطاقة والخدمات الطبية
شبكات الطاقة: تتعرض البنية التحتية للطاقة الكهربائية والغاز لهجمات سيبرانية وفيزيائية غامضة، مما يدفع مسؤولي الاتحاد الأوروبي لمحاولة استخلاص الدروس من معركة الطاقة بين روسيا وأوكرانيا.
القطاع الصحي: امتدت القرصنة لتشمل بنوك الدم والمؤسسات الحيوية لتعطيل الخدمات الطبية المباشرة للمواطنين.
التضليل الإعلامي والهجمات السيبرانية
تستغل الجهات المهاجمة الفضاء الرقمي لبث حملات تضليل واسعة وتشويه معلوماتي ممنهج للتأثير على الرأي العام الأوروبي وتعميق الانقسامات السياسية والاجتماعية في القارة العجوز.
كيف يواجه الاتحاد الأوروبي هذه التهديدات؟
تضع هذه الهجمات العواصم الأوروبية أمام تحدٍ مزدوج: الحفاظ على اليقظة الأمنية القصوى، دون السقوط في فخ تعطيل الحياة العامة بفعل البلاغات الكاذبة. وللخروج من هذه التبعية، بادر الاتحاد بـ:
رصد الميزانيات الضخمة: خصص الاتحاد الأوروبي 6.6 مليار يورو مباشرة لمواجهة التهديدات الهجينة وبناء المرونة السيبرانية للبنى التحتية المدنية.
تطوير آليات مستقلة: يعمل الاتحاد على صياغة آليات استجابة سريعة وأنظمة دفاع ضد المسيرات والقرصنة السيبرانية.
أزمة التنسيق مع الناتو: تثير هذه الآليات المستقلة بعض التحفظات والخلافات داخل حلف شمال الأطلسي "الناتو"، بسبب التخوف من ازدواجية الأدوار وتداخل الصلاحيات الأمنية بين الدفاع العسكري التقليدي والأمن المدني الهجين.