الإلمام بمفكرة الإمام: قراءة في ميثاق العلماء – الجريدة 24

الإلمام بمفكرة الإمام: قراءة في ميثاق العلماء

الكاتب : الجريدة24

29 مارس 2021 - 12:00
الخط :

محمد أكعبور ـ مرشد ديني وباحث في الخطاب والإعلام الديني

خطى المغرب خطوات متقدمة في سياق ضبط وترشيد وتوجيه الخطاب الديني ، واعتمد سبلا وأدوات كما أبدع قنوات وراكم تجارب وخبرات وفق هندسة ذكية للشأن الديني تنظيرا وتأسيسا ، تشريعا ومؤسساتيا ليحقق بذلك تأهيلا وتأطيرا وتكوينا بإشراف الفاعلين الدينيين الرسميين على العملية العلمية والتواصلية لفائدة الفاعلين الدينيين المدنيين المؤثرين في الأمة ؛ المؤطرين للجماعة على مختلف المواقع الحضورية والافتراضية والتفاعلية .

ويعتبر ميثاق العلماء ؛ البرنامج التواصلي الفريد الذي تحققت من خلاله غايات ومقاصد كبرى في الوطن يعم نفعها البلاد والعباد .

وهو البرنامج الذي خلق للمغرب صدى إعلاميا كبيرا على المستوى الديني وساهم في ترشيد الخطاب الديني وفق الثوابت الدينية والمرجعيات المغربية في العمل الديني الأدائي والسلوكي والعقدي وفي السياسة الشرعية .

 ميثاق العلماء: الدلالات الممكنة

جعل الميثاقُ المنطلقَ الأساسَ الآياتِ الكريمات:21 -22 -23 من قوله تعالى في سورة الرعد حسب ترتيب المصحف المحمدي، وهي قوله تعالى “إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (21)الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ (22 ) وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيخشون ربهم ويخافون سُوء الحساب(23)”.

إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ : أولو العقول الرزينة والفكر السليم والرأي السديد الذين إذا قالوا أخلصوا وإذا وعدوا لم يخلفوا وإذا حدثوا لم يكذبوا وإذا ائتمنوا لم يخونوا فهم العلماء بالإجماع الذين يحق لهم تأويل النصوص الدينية وتوليتها بالشرح والإيضاح إلى عامة الناس ؛ المثقفون منهم وأهل الفكر والعامة .

الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ :والبيعة عهد في المنشط والمكره على حماية الديانة والإمارة.

وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ:ميثاق العلماء بما يعنيه من دلالة إبلاغ وتبليغ الدين على المنهج المبين إلى الناس وتصحيحه في نفوسهم على ما ورثته الأمة خلفا عن سلف مع الوفاء لثوابت الأمة ومقدساتها واختياراتها الدينية والوطنية بناء على عملها الديني المسنون .

وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ:والرحم موصلة تقتضي العطف والنصح والعطاء والبذل والمناصحة؛ والرحم صغرى وكبرى ، والوطن رحم توصل من خلال تواصل علماء الأمة ومن في حكمهم مع المواطنات والمواطنين في لقاء علمي نصف شهري بين العلماء والسادة الأئمة بالمساجد والمراكز المعدة والمجهزة لذلك :تقنيا وإداريا وعلميا في كل جماعة ترابية بمدن وحواضر وقرى وصحراء وجبال وسهول الوطن، وحينا يوجد مركزان إلى ثلاثة بجماعة واحدة مراعاة لسياسة القرب وتخفيفا على هؤلاء الأئمة مدعوي وقاصدي هذا المشروع المولوي الكبير في نكران للذات مشرئبين متلهفين للشرب من حِلق الذكر هذه ،مستجيبين لله وللرسول لما يحيهم وبما يحيون به ضمير جماعتهم الملتزمين معهم في الإرشاد والتوجيه والنصح والتدليل على الله وعلى رسول الله بما يخدم دين الله في أرض الله وببيوت الله العامرة بالمؤمنا ت والمؤمنين وبحضورهم إلى تلكم المراكز العلمية إنما يلبون نداء أمير المؤمنين.

 ميثاق العلماء : القول السديد من أجل الترشيد

كل ذلك في نقاش علمي رزين مبتدأه :القرءان الكريم،فرحلة علمية في كراسات اسمية في مضامين الميثاق من:ثوابت الأمة بعنوان:الإمام والثوابت،وما تصح به العبادات وتترسخ به العادات الدينية تحت مسمى:الفقه ونصوص الحديث،فإلى علوم القرءان بعنوان:القرءان الكريم والتعليم،ثم إلى علوم الحديث والسيرة النبوية العطرة –بالتناوب- والتي يمتاح منها الإمام العبر والعظات ويتمثل منها الوظائف الاجتماعية للإمام في محيطة مقتديا بالرسول صلى الله عليه وسلم متبعا أصحابه الأبرار وتابعيه الأخيار والعلماء الأعلام الكبار ؛ يتخلل ذلك كله نقاش بيني بتأطير وتوجيه وتنشيط العالم المؤطرأو من في حكمه في تـأسيس للمعرفة الدينية الصحيحة ، حيث يحضر اللقاءَ الأئمةُ والفقهاء ُوالعلماءُ والشيوخ ويقصد بالشيخ بالمفهوم المغربي منفي مرتبة متقدمة في العلم والانتساب إلى المحضرة والجلوس ؛ ذلكم الرجل الذي جلس إليه طلبة العلم لسنوات حتى تخرجوا منه مجازين برتبة عالية في الفهم والإدراك والتفقه في الدين وعلوم الآلة والتربية على حب الوطن والعرش والأمير يتجسد ذلك في العمل الديني المنتظم وهو الدعاء له عقب كل أداء علمي أو ديني في كل مسمع وفي أي مجمع .

ميثاق العلماء :تلبية الحاجات العلمية والمنهجية

ومع التتالي الزمني من عمر الميثاق ؛ تم الرقي بمضامينه تلبية للحاجات العلمية للمتدخل الديني ، انبرى المجلس العلمي الأعلى للمادة العلمية بإصداره مقرَّرَ تلكم المادة العلمية في ملفات موضوعاتيةموزعة محاورها على الزمن العلمي نصف الشهري عن كل موسم للميثاق الذي يبتدئ بالفاتح من كل سنة شمسية ،مع توقف البرنامج شهر غشت من كل سنة من يوم انطلق المشروع ؛  وهو البرنامج الذي كان قد أعلن عنه رئيس المجلس العلمي الأعلى أمير المؤمنين الملك محمد السادس بتطوان يوم 26 رمضان 1429ه/28شتنبر2008، وهكذا واصل الميثاق مشواره واتخذ مساره الذي رسم له في كراستين منفصلتين كلٌتخص لقاءَ النِّصف الشهري إلى أن جاء المشروع العلمي السنوي على شكل كراسة جامعة للمادة العلمية السنوية ، فكان البدء بإصدار الأمانة العامة للمجلس النسخة الأولى عام 1439ه/2018موالتي ضمت موادا علمية جديدة ترقى بالميثاق لأعلى درجات “المجلس العلمي” ففتحت آفاقا علمية جديدة على حلقات التأهيل ليتفاعل فيها الأئمة مع الثوابت عملا وتشريعا ومؤسساتيا.

ومما جاء في هذه النسخة “هذا وإن المؤسسة العلمية وهي تطوي عقدا من زمن برنامج “ميثاق العلماء” لعلى يقين بأن ما حققه من تواصل علمي جاء بين علماء الأمة وأئمة مساجدها ، ما هو إلا خطوة أولى في اتجاه تأطير علمي راشد ، ينفي عن قلاع مغربنا المعنوية التحريف والانتحال والتأويلات الجاهلة ، لتتلوها خطوات واسعة في باب الحراسة والتنمية التي يتغياها هذا الميثاق الفريد في بابه ،الرئد في رؤيته ومقاصده وغاياته، والذي هو ثمرة من ثمار عبقرية الإمامة العظمى التي هي العنوان الأعظم لهذا المغرب ،وسر أسرار وحدته وأمنه واستقراره….”.

وما زال الميثاق مشروعا في طور التنفيذ وفق السياسة الدينية لإمارة المؤمنين ؛ بلد المغرب الأمين ويسير على درب التجويد والتحسين تماشيا مع الخدمة الدينية والعلمية التي تعرف إقبالا كبير على الاستفادة من منافعها الجمة من لدن الجماعة والأمة ومع كون الخدمة الدينية خدمة تنموية معنوية في صلب التنمية البشرية والنهوض بالخدمات الدينية أكبر تجل للنهوض بالتنمية ؛ فالدين حافز للعمل من أجل البناء المادي والعمراني والروحي للوطن.

وبداية من الموسم العلمي للميثاق 1440ه/2019م ستصدر الأمانة العامة للمجلس كراسة تلبية لتكم الحاجات العلمية والمنهجية المعبر عنها وتطويرا للأداء العلمي والدينيتم تخصيص محاور كبرى لخطبة الجمعة ، مما جاء في هذه النسخة” والكراسة التي يسعد الأمانة العامة للمجلس العلمي الأعلى أن تضعها اليوم بين أيديكم سهر على إعدادها ومراجعتها وتدقيقيها وتوثيق مادتها ، ثلة مختارة من العلماء المشهود لهم بالكفاءة العلمية والخبرة التربوية العالية………

ولما كان لكل جديد ما يبرر جدته ، سيما إذا سبقه قديم مفيد ، فإن لجديد كراسة ميثاق العلماء مزايا نعرض لأهمها في الآتي :

إضافة مادة علمية جديدة لم تتضمنها الكراسة السابقة وخاصة ما يتصل بالخطبة المنبرية”

هكذا واصلت الأمانة العامة للمجلس عملها بإصدار كراسة الموسم العلمي 1441ه/2020م وهي النسخة التي ” تتميز بمزيد من التحقيق والتدقيق في المواد العلمية المقررة ،كما تضم مواد جديدة مكملة أظهرت التجربة أن التأطير بحاجة إليها”.

وهكذا نستخلص من كل ما تم اختياره وانتخابه من الاستشهادات من النسخ الثلاثة للكراسة العلمية أن ميثاق العلماء في تطور مستمر تلبية للحاجات وبما رآه  العلماء والخبراء بالمعارف الضرورية منها والمساعدة لتواكب تطور الحقل الديني والتنمية الروحية والمعنوية المنشودة من الهندسة المجالية للشأن الديني خصوصا ما يصب في ترشيد الخطاب الديني وتوجيهه بتصحيح الأداءات الشعائرية في الناس ويحسن الدين ويجمل السلوك وتقوى العقيدة وتلتئم الأمة في وطنها وتلتف حول أميرها في السياسة الشرعية وفق التقاليد المغربية على مرِّ القرون والعهود وفاء للعقود .

ليُختم اللقاء بالدعاء الصالح لأمير المؤمنين ؛راعي شؤونَ العلم والعلماء والأئمة والمرشدين وجميع الفاعلين الدينيين المدنيين؛ وكذا الدعاء لعامة المسلمين وجميع المواطنين ؛ لينفض اللقاء إلى القادم من اللقاء .

وهكذا واصل المسار العلمي لحلقات التأهيل مشواره حتى جاء كوفيد -19 فأجبر الناس على الامتثال للتعليمات الصادرة من الدولة تنفيذا لخلاصات اللجان العلمية المتابعة للوضع الوبائي في بلادنا حماية للجميع ؛ فكان التوقف عن التجمعات فصدر ما صدر من فتوى الإغلاق المؤقت للمساجد مع الإبقاء على رفع الأذان ،وانتقل اللقاء العلمي التواصلي بين الأئمة والعلماء من الواقع  بسبب البلاء وخوفا من انتشار الوباء إلى المواقع فلم تنقطع الصلات العلمية ؛ بل ازدادت تطورا وبنت تصورا مكنها من التوظيف التقني والجمالي لتستفيد من الآليات لتنفيذ مختلِف العلميات وإنْ توقفت عن التداول في الميثاق حضوريا ولكن روح الميثاق سارية في البلاد عما وظفه واستثمره خير العباد ؛ وهم العلماء ومن في حكمهم واقتدى بهم بأن سار على نهجهم في الأداء والتبليغ والوفاء للوطن والعرش ؛ فأثمر الميثاق في النفوس بكل دقة وإيثاق .

ميثاق العلماء : الوظيفة والرسالة

يعتبر العلماءٌ ومن في حكمهم ومن اقتدى بهم بأن سار على نهجهم عمارَ بيت الله بامتياز بما منحوا من رب كريم من اقتدار في الدين ، جعلهم مقدَّمي ومتقدِّمي الناس وذلك من خلال حضورهم في ذهن الإنسان المغربي والتداول بشأنهم بإبراز مكانتهم ودورهم والتوجه إليهم استبيانا منهم لدينه وتصحيحَ الأغاليط فيه ولقضايا أسرته بما اقتضته النصوص الدينية :القرآنية منها والحديثية حتى وهم خارج المسجد ؛

حيث يشربون من تلك الحِلق –حلق الذكر-الموصوفة برياض الجنة ، إلا أنهم لا يمرون عليها بل يقصدونها ويتقصدونها،التزاما منهم  بالنداء الملكي إذ دعاهم للحضور، للإمتاح والأخذ والعطاء والبذل والصرف والتصريف والتبليغ والإرشاد والإبلاغ والتوجيه ،توجيه الناس المتعطشين للمعرفة الدينية الصحيحة بالصيغة المغربة وفي حلة جديدة وفي سياق جديد ببعث وإحياء التقاليد والأعراف الدينية المغربية بميراث النبوة الصحيح الذي لا مغالاة فيه ولا تطرف ولا تميع ولا تنطع ولا تشديد ؛ ولكن وسطية واعتدال وتسامح وانفتاح من أشخاص تحصل بهم الشفاعة مصداقا لقول الرسول صلى الله عليه وسلم الشفيع في أمته ، ” أئمتكمشفعاؤكمإلىالله ” . وميثاق العلماء مشروع من ابتكار الإمامة العظمى نهوضا بالدين وإنهاضا بالقيمين الدينيين ؛ أهلِ الصفاء في القول والوفاء بالعهد والالتزام بالوعد .

عود على بدء:

إن ذلك ومما لم نذكره من معاني الميثاق،الذي يندرج ضمن الهندسة الذكية للشأن الديني بما حمله الميراث المديني فانبرى له الأمراء بالتنظير والتقييد ،وتولاه العلماء بالتنفيذ فَمُنح فرادة مغربية وريادة إقليمية وجهوية وقارية ودولية لكونه داخلا ضمن آليات ضبط وتجديد وترشيد الخطاب الديني وجعله بيد العلماء الأمناء الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل .

وإن وضعه بيد العلماء يجعله في مأمن من الكلام في الدين الذي يحسنه العامة والخاصة والجهلة من الناس المنتحلون الجاهلون الجهلاء والجعلاء الذين أفسدوا الدين وتألوه على غير هدى ففرقوا الناس طوائف القرن الواحد والعشرين.

ليحذر الناس :خاصتهم وعامتهم من أن يدب إليهم الثلوت الفكري وليحتموا بأمرائهم حفظا من الفتن والهوى والزيغ وليقتدوا بعلمائهم ووحدتهم الدينية والوطنية وليكرموا أئمتهم تقديرا لهم على تقديمهم ومركزيتهم وليستمعوا إلى خطبائهم ولينصتوا إلى وعاظهم وليهتدوا ويسترشدوا بمرشديهم المشرفون على مساجد/مراكز احتضان حلقات التأهيل ببرنامج ميثاق العلماء التي تحتضنها مناطق التأطير عبر ربوع الوطن .

آخر الأخبار