أمينة المستاري
لم تكن أبواب المدن العربية والمغربية مجرد فتحات في جدران عالية، بل كانت وجها للمدينة ولسان حالها، من خلالها كانت المدينة تعلن عن نفسها: قوة وهيبة، وتنظيما وحضارة.
كانت الأبواب جزءا لا يتجزأ من الأسوار التي تطوق الحواضر، تحمي أهلها من الغزوات في عصور لم تكن تخلو من الصراع، كما في زمن المرابطين والموحدين والعلويين، وتضبط إيقاع الحياة داخلها.
خلف تلك المصاريع الثقيلة، لم يكن العبور أمرا عابرا، كانت الحركة تراقب، والدخول ينظم، والبوابات تغلق عند الخطر، تدعمها أبراج دفاعية وغرف للرمي على مستويين. صممت هذه البوابات بممرات منكسرة تمكن من التحكم في تدفق الداخلين والخارجين....هكذا امتزجت الحنكة العسكرية بروح المعمار، فصار الباب حصنا وجدارية فنية في آن واحد.
لكن وظيفة الأبواب لم تكن دفاعية فقط، ففي تلك الفترة كانت القوافل تحط رحالها، وتفحص البضائع، وتستخلص الرسوم، فتنتظم الأسواق وتستقر الأسعار، كانت فضاء اقتصاديا نابضا، وحدا فاصلا بين الداخل المنظم والخارج المفتوح، بل إن تخطيطها كان جزءا من تصور عمراني متكامل يحدد ملامح المدينة العتيقة ويرسم حدودها.
ثقافيا، حملت الأبواب هوية الدول التي شيدتها: أقواس مدببة، زخارف نباتية وخطية، تأثيرات أندلسية وأمازيغية وعربية تتعانق على الحجر، فتجعل من كل باب لوحة معمارية تروي قصة زمنها.
اعتمد الموحدون، على وجه الخصوص، نمطا معماريا يجمع بين الصرامة الدفاعية والبهاء الزخرفي، مستلهمين تراث المرابطين ومطورين إياه بما يواكب طموحهم الحضاري.
في الرباط، تقف الأبواب شاهدة على ذلك المجد، من بينها باب الرواح، وباب العلو، وباب الأحد، وباب الأوداية...؛ معالم لا تزال تحرس الذاكرة كما كانت تحرس المدينة.
ولعل باب الرواح يظل أبرزها وأفخمها، شيد سنة 1197م في عهد الخليفة الموحدي أبو يوسف يعقوب بن يوسف المنصور، ضمن السور الموحدي الذي يمتد لأكثر من كيلومترين ويعانقه عشرات الأبراج، بني من حجارة مقطوعة بعناية، وبعضها أُعيد استخدامه من آثار رومانية قديمة، في دلالة على ذكاء عمراني يستثمر ما يتيحه المكان من موارد.
يقع الباب في الجهة الغربية من السور، وكان بوابة رئيسية تربط المدينة العتيقة بامتداداتها نحو الساحل وطريق الدار البيضاء. عبره مرت القوافل المحملة بخيرات السهول، ومنه دخل الحجاج والزوار، وعنده كانت تغلق المصاريع ليلا حماية للمدينة، ففي زخارفه النباتية والخطية، وفي قوسه المدبب وأبراجه الجانبية، تتجلى روح العمارة الموحدية التي جمعت بين الجمال والقوة.
اليوم، لم تعد هذه البوابة تؤدي دور الحراسة، لكنها ما زالت تحرس الذاكرة، وتحولت إلى معلمة سياحية بارزة، يقصدها الزوار لالتقاط الصور واستحضار عبق التاريخ، بعد أن حضي بعمليات ترميم وصيانة، ظل باب الرواح قائما كأحد أبرز شواهد الرباط، يختزل في صمته قرونا من الحكايات، ويذكر بأن المدن تعرف أحيانا من أبوابها قبل شوارعها.