من أعلام التصوف المغربي..فاطمة الزهراء الكوش المعروفة بـ (العذراء)
محمد سراج الضو
سبق أن نشرت مضمون هذه التدوينة في هذا اليوم من فبراير 2024 عن الضريح الأبيض الظاهر في الصورة جوار صومعة الكتبية بمراكش، الذي كان يثير التساؤلات حوله من المغاربة والأجانب عند زيارتهم لحدائق الكتبية، وبعد أقل من أسبوعين قامت بلدية مراكش بوضع إطار معدني وزجاجي يتضمن معلومات ضئيلة عن الضريح، وسرعان مأتم تحطيمه من جانت شماكرية أو متهورين، بقي الإطار المعدني فارغا ومهملا عدة شهور، بعدها أعيد وضع بعض المعلومات عن صاحبة الضريح بعد أن اقتصر مسؤولي البلدية
على وضع إسمها فقط بالعربية ولغات اجنبية دون تفاصيل عن هويتها ويكفي أن يكون لدى هؤلاء المسؤولين قليل من الإبداع وذلك أن يركبوا لوحة رخامية قي باب الضريح تحوي معلومات عنه وعن صاحبته خصوصا وأنه موجود في موقع استراتيجي بمدخل ساحة جامع لفنا، بدل إطار زجاجي ومعدني قابل للكسر والاندثار، بحيث يمكن لأي زائر أن يطلع على مضمونه ..
ساكنة الضريح الأبيض هي فاطمة الزهراء الكوش المعروفة ب (العذراء) وهي من أعلام التصوف المغربي في القرن الحادي عشر الهجري وتذكر روايات عنها أنها كانت امرأة ذات جمال وهمة إلا أنها لم يسبق أن تزوجت بل رفضت الزواج أصلا، ولذلك اشتهرت بلقب ( العذراء ).
ولدت فاطمة الزهراء الكوش بمدينة مراكش،وكان والدها عبد الله الكوش صوفيا وشيخا واجه البرتغاليين عند غزوهم لشواطئ المغرب في الجديدة و آسفي.
عاشت زهراء بين القرنين السادس عشر و السابع عشر الميلادي. ونشأت في بيئة صوفية تشبعت فيها بمبادئ وقيم والدها من خلال زاويته، التي كانت فرعا من فروع زاوية محمد بن سليمان الجزولي بمراكش.
لقنها والدها أصول الشريعة والفقه الإسلامي وهو شيخها في التربية الروحية والصوفية، كما تأثرت بشخصيات نسائية زاهدات متصوفات معاصرة لها، وكانت تقطن في منزل والدها على مقربة من جامع الكتبية في مراكش.
عُرف والدها بالكرم والجود ما جعل السلطان السعدي زيدان الناصر (1613 - 1628) إبن أحمد المنصور الذهبي يحتاط منه. وكانت ابنته فاطمة الزهراء تقيم حلقات نقاش بين النساء وتحدثهنّ عن مزايا الجهاد. وسرعان ما داع صيتها وبلغ قصر السّلطان، الذي طلب الزواج بها ولكنها رفضت، ما عرّضها للاعتقال والسجن، و تدخل مجموعة من الفقهاء والأعيان بمراكش لدى السلطان ليطلق سراحها. ولكنه دبر مكيدة لوالدها وذلك بالإجهاز على أملاكه بداعي التهرب من آداء المكوس (الضريبة)وقام بنفيه إلى مدينة فاس، بعد رفضه فرض المكوس على الزوايا.
اشتهرت فاطمة الزهراء الكوش بكثرة الصلاة والأذكار والصدقات، وتصنف في الأوساط الصوفية بين أولياء الله المتبعين، والنساك الصادقين، العارفين. كما عرفت بلقب (أمة الله) نسجت المخيلة الشعبية حولها أساطير وقصص، إذ يقال إنها تتحول ليلا إلى (حمامة) تنشر السّلام في مدينة مراكش ووجودها بالقرب من مسجد الكتبية جعلها تحمل لقب (حمامة مراكش).وقد تناولت الشاعرة الفرنسية كلود كوليت سيرتها وزارت مدينة مراكش مرارا حيث كانت تتردد على ضريحها، وأعادت صياغة قصة حياتها في قالب شعري وكتبت عن تجربتها الصوفية التي تبقى تجربة فريدة. توفيت فاطمة الزهراء الكوش في 1027 هـ الموافق 1617م ودفنت بالضربح بقبته البيضاء الفريدة جوار الكتبية وهو مغلق منذ سنوات…