ورش الحماية الاجتماعية في صلب النقاش البرلماني.. أرقام دقيقة وتحديات متواصلة
نظم الفريق الاشتراكي - المعارضة الاتحادية بمجلس النواب، بشراكة مع المرصد المغربي للحماية الاجتماعية، يوماً دراسياً اليوم الجمعة تحت عنوان: "ورش الحماية الاجتماعية بين الإكراهات والتحديات"، وذلك في سياق دينامية وطنية متصاعدة حول هذا الورش الحيوي، الذي يشكل إحدى الركائز الأساسية لبناء نموذج تنموي جديد عادل ومنصف يضع كرامة المواطن في صلب أولوياته، ويسعى إلى تقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية.
وعرف اللقاء حضور عدد من الفاعلين الحكوميين والسياسيين والخبراء، في مقدمتهم الوزير المنتدب المكلف بالميزانية، فوزي لقجع، الذي قدم معطيات دقيقة ومفصلة حول التقدم الحاصل في تنزيل مختلف مراحل ورش الحماية الاجتماعية.
وفي عرضه، كشف لقجع أن عدد المهنيين والعمال المستقلين والأشخاص غير الأجراء المستفيدين من التغطية الصحية بلغ إلى حدود 5 أبريل الجاري 3.7 ملايين، مشدداً على أن كلفة تنزيل برنامج الدعم الاجتماعي المباشر ستصل إلى 27 مليار درهم مع نهاية سنة 2025، على أن ترتفع إلى 29.4 مليار درهم ابتداءً من سنة 2026.
وفيما يخص التعويضات التي تم صرفها، أوضح المسؤول الحكومي أن عدد الملفات المقدمة منذ انطلاق البرنامج بلغ 4 ملايين ملف، بمعدل يومي يفوق 8 آلاف ملف، تم تصفية حوالي 4 آلاف منها بقيمة مالية ناهزت 3.9 ملايير درهم، وبكلفة سنوية متوسطة قدرها 6 آلاف درهم.
كما أشار إلى أن الدولة تتحمل اشتراكات أزيد من 11 مليون شخص غير قادر على أداء واجبات الاشتراك، بتكلفة سنوية تبلغ 9 ملايير درهم، وهو ما يعكس البعد التضامني لهذا الورش.
وبلغة الأرقام، أوضح لقجع أن عدد الملفات المدفوعة لفئة غير القادرين على أداء الاشتراكات بلغ منذ سنة 2023 حوالي 14 مليون ملف، تمت تصفية 12 مليوناً منها، بغلاف مالي قدره 16.3 مليار درهم، ما يعكس تفعيلًا عمليًا وملموسًا للمبادئ التي تأسس عليها هذا الورش.
كما أبرز أن عدد الأسر المستفيدة من الدعم الاجتماعي المباشر بلغ 3.9 ملايين أسرة، مما يعادل نحو ثلث سكان المملكة، مشيراً إلى أن هذا البرنامج مرشح لمزيد من التوسع خلال السنوات المقبلة، بدعم ميزانياتي وطني متزايد.
وتوقف لقجع أيضا عند البعد التشريعي الذي صاحب تنزيل الحماية الاجتماعية، مسجلاً أنه تم إخراج أكثر من 79 نصاً قانونياً و27 مرسوماً تنظيمياً، مما يشكل قاعدة قانونية صلبة لتفعيل هذا الورش وفق منطق مؤسساتي يضمن الاستدامة والاستمرارية.
واعتبر أن الدولة دخلت في مرحلة جديدة من تأدية أدوارها الاجتماعية، بشكل يجعل من السياسات العمومية أكثر تأثيراً في حياة المواطنين، مؤكداً أن ما تحقق منذ بداية الألفية الثالثة يُعدّ تحولاً عميقاً في بنية الدولة الاجتماعية المغربية.
وأكد الوزير أن الورش لم يأتِ من فراغ، بل هو ثمرة تراكمات بدأت منذ اعتلاء الملك محمد السادس العرش، حيث أخذت أشكاله الاستراتيجية تتبلور تدريجياً إلى أن وصلت إلى المرحلة الحالية، التي وصفها بالثورية في عمقها المجتمعي والاقتصادي.
واعتبر أن المشروع تمكن من رسم ملامح الإنسان المغربي الجديد، من خلال تحقيق مكاسب كبرى، ليس فقط في الجوانب المادية بل أيضاً في تجديد أساليب التدبير واعتماد حكامة متقدمة ساهمت في تجاوز تداعيات الأزمات العالمية.
من جهتها، أكدت وفاء جمالي، المديرة العامة للوكالة الوطنية للدعم الاجتماعي، على أهمية تتبع ظروف عيش المستفيدين ميدانياً وتقديم أجوبة واضحة وملائمة عن تساؤلاتهم، مشيرة إلى أن مشروع الدعم المباشر حظي بدعم مالي بلغ 25 مليار درهم خلال سنة 2024، ويتم صرف دعم شهري لما يقارب 4 ملايين أسرة، أي ما يعادل 12 مليون فرد.
وأبرزت أن هذا الورش اعتمد منذ بدايته على معايير الحكامة الرشيدة والشفافية والفعالية، ما جعل المغرب يرتقي إلى مصاف الدول المتقدمة في مجال الحماية الاجتماعية.
وشددت جمالي على أن المغرب يُعد من الدول الرائدة إفريقيا وإقليمياً في اعتماد نظام رقمي دقيق للدعم المباشر، مستندًا إلى سجل اجتماعي موحد، واستفادة الأسر مشروطة بالتزامات اجتماعية يتم تحديدها وفق مقاربة تشاركية مع القطاعات المعنية.
وأوضحت أن المقاربة المعتمدة تقوم على تقييم الأثر والنتائج بشكل مستمر، مع إرساء آليات حكامة متينة تضمن التدبير المحكم لموارد البرنامج وتوجهاته.
وأكدت المديرة العامة التزام الوكالة الوطنية للدعم الاجتماعي بمواصلة تجسيد الرؤية الملكية الطموحة، عبر تعزيز الشراكات مع مختلف الفاعلين المؤسساتيين والبرلمانيين، معتبرة أن إنجاح هذا الورش يتطلب انخراط الجميع، وهو ما سيعكس، في نهاية المطاف، تحولاً مجتمعياً شاملاً يعود بالنفع على عموم المغاربة.
وفي كلمة له بالمناسبة، شدد عبد الرحيم شهيد، رئيس الفريق الاشتراكي بمجلس النواب، على أن نجاح ورش الحماية الاجتماعية لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال تضافر جهود كل المتدخلين، من وزارات ونقابات ومجتمع مدني، معتبراً أن المشاركة الجماعية ضرورية لتقييم الإنجازات وتجاوز التحديات.
كما أكد أن هذا المشروع لم يعد فقط ورشاً اجتماعياً، بل تحول إلى محور أساسي في النقاش العمومي والسياسي، وهو ما يتجلى في التوجيهات الملكية والخطابات الرسمية، وكذا التفاعل الشعبي مع نتائجه.
وركزت التوصيات أيضا على ضرورة مواصلة الإصلاحات بنفس الزخم، والعمل على ضمان الاستدامة المالية والتنظيمية للورش، إلى جانب أهمية تعزيز آليات المراقبة والتتبع والتقييم، بما يضمن نجاعة التدخلات وفعالية الإنفاق العمومي، في أفق ترسيخ دعائم الدولة الاجتماعية مع وضع المواطن في قلب السياسات العمومية.