جهة الدار البيضاء–سطات تعلن الحرب على القنابل البيئية الصامتة
تخطو جهة الدار البيضاء–سطات خطوات ثابتة نحو طيّ واحدة من أقدم وأعقد الإشكالات البيئية التي أرّقت ساكنتها لعقود، بعد أن صادق مجلس الجهة على مشروع بيئي ضخم يهدف إلى إنهاء أزمة المطارح العشوائية وإعادة هيكلة تدبير النفايات بشكل شامل ومستدام.
هذا الورش، الذي يُعد الأكبر من نوعه في تاريخ الجهة، يأتي استجابة لتراكمات بيئية خطيرة وتداعيات اجتماعية مستمرة، شكلت لسنوات طويلة مصدر قلق يومي للساكنة وموضع انتقادات حادة من قبل فعاليات مدنية وحقوقية.
لطالما مثّلت المطارح العشوائية بؤرًا سوداء في محيط عدد من المدن والمراكز الحضرية والقروية التابعة للجهة، حيث كانت الروائح الكريهة والتلوث البصري والبيئي الناتج عنها تعكس فشلًا واضحًا في سياسات تدبير النفايات على المستويين المحلي والجهوي.
ومع تعاقب المجالس المنتخبة، ظلت الوعود متكررة، لكن دون تنزيل فعلي لبدائل فعالة، ما جعل العديد من الفاعلين في المجتمع المدني يصفون هذه المطارح بـ"القنابل البيئية الصامتة"، ويحذرون من أثرها المباشر على صحة السكان وحقهم في بيئة سليمة.
وفي تحول نوعي على مستوى تعاطي المؤسسات المنتخبة مع هذا الملف، أطلق المجلس الجهوي للدار البيضاء–سطات، بشراكة مع عدد من القطاعات الوزارية والمؤسسات العمومية، برنامجا استراتيجيا يمتد على مدى عشر سنوات، من 2025 إلى 2034، ويستهدف الإغلاق الكامل لـ 16 مطرحًا عشوائيًا، وإنشاء خمس مراكز حديثة لفرز وتثمين النفايات، وفق أعلى المعايير البيئية والتقنية.
ويبلغ الغلاف المالي لهذا البرنامج الطموح 18,455 مليار درهم، من ضمنها مساهمة مباشرة من مجلس الجهة تقدر بـ 1,650 مليار درهم، في إطار مقاربة تشاركية متعددة التمويل.
ويرتكز البرنامج على شقين متكاملين؛ الأول يهم إحداث مراكز جديدة لمعالجة وتدوير النفايات، باستثمار إجمالي يبلغ 18,179 مليار درهم، تشارك فيه الجهة بمبلغ 1,623 مليار درهم. وتشمل هذه المراكز وحدة كبرى بمديونة بميزانية ضخمة تصل إلى 18 مليار درهم، إلى جانب مركز بالجديدة (110 ملايين درهم)، وآخر بالمحمدية (37,5 مليون درهم)، ومركز بسيدي بنور (14,8 مليون درهم)، بالإضافة إلى وحدة معالجة ببرشيد (16,4 مليون درهم).
وقد جرى تحديد مواقع هذه المشاريع بناءً على اعتبارات بيئية وجغرافية تراعي الضغط السكاني والحاجة الميدانية.
أما الشق الثاني، فيرتبط بإغلاق وتأهيل المطارح العشوائية التي تنتشر في خمس أقاليم ضمن تراب الجهة، وذلك بتكلفة إجمالية تبلغ 276 مليون درهم، منها 27 مليون درهم من تمويل مجلس الجهة. ويشمل هذا المحور إغلاق خمسة مطارح بإقليم سطات، وخمسة أخرى بإقليم الجديدة، إلى جانب مطرحين بكل من برشيد، سيدي بنور، وبن سليمان.
وتهدف هذه العملية إلى معالجة الأثر البيئي السلبي لهذه المواقع، وتحويلها إلى فضاءات مؤهلة لا تشكل تهديدًا لصحة السكان.
وسيشهد هذا المشروع تنفيذا مرحليًا دقيقًا في إطار شراكة تجمع وزارة الداخلية، وزارة الاقتصاد والمالية، وزارة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة، ولاية جهة الدار البيضاء–سطات، ومجلس الجهة، ما يمنحه بعدًا مؤسساتيًا قويًا يعزز من فرص نجاحه واستمراريته.
وتُعول الجهة على هذه التركيبة لضمان انخراط جميع الأطراف في المتابعة، وتذليل العقبات الإدارية والمالية التي قد تواجه الورش في مختلف مراحله.
ويُعبر هذا التوجه عن تحوّل واضح في أولويات مجلس الجهة، الذي بدأ يُولي عناية خاصة بالملفات البيئية ذات الارتباط المباشر بجودة الحياة اليومية للمواطنين، بعد أن ظل التركيز لعقود موجهًا نحو ملفات البنيات التحتية والنمو الاقتصادي فقط.
ويُنتظر أن يُحدث البرنامج نقلة نوعية في تدبير ملف النفايات، من خلال الانتقال من منطق التجميع والطمر العشوائي إلى مقاربة تعتمد الفرز والمعالجة وإعادة التدوير، بما ينسجم مع التزامات المغرب في مجال الاستدامة والاقتصاد الأخضر.
وإلى جانب الأهداف البيئية، يُرتقب أن يساهم البرنامج في إحداث مناصب شغل قارة في قطاع جمع وتثمين النفايات، وتحسين ظروف العمل للعاملين فيه، فضلًا عن تحفيز استثمارات جديدة في مجال الطاقة البديلة، وتطوير الصناعات المرتبطة بإعادة التدوير، ما يجعل منه مشروعًا ذا بعد اقتصادي واجتماعي شامل.
كما يُنتظر أن تُواكب هذه المرحلة حملات تحسيسية شاملة تستهدف عموم المواطنين، والجماعات الترابية، والمهنيين، من أجل ترسيخ ثقافة الفرز من المصدر والانخراط الجماعي في جهود حماية البيئة.
وتأمل الفعاليات المدنية والبيئية في أن لا يكون هذا المشروع مجرد وثيقة تقنية أخرى تُضاف إلى أرشيف المجالس، بل نقطة تحوّل حقيقية تُنهي فصولًا طويلة من التلوث والتهميش البيئي، وتفتح المجال أمام جيل جديد من السياسات العمومية التي تضع البيئة في صلب التنمية.