اتهامات بالاحتكار واعتراف رسمي بالغلاء.. معركة أسعار الأدوية تشتد في المغرب

الكاتب : انس شريد

21 July 2025 - 07:30
الخط :

تصاعدت حدة الجدل داخل المؤسسة التشريعية المغربية، بعد أن فجّر موضوع ارتفاع أسعار الأدوية نقاشاً حاداً خلال جلسة الأسئلة الشفوية بمجلس النواب، حيث طالبت فرق المعارضة الحكومة بالتدخل العاجل من أجل خفض الأسعار حمايةً للقدرة الشرائية للمواطنين، في وقت اعترف فيه وزير الصحة والحماية الاجتماعية، أمين التهراوي، بأن تكلفة الدواء لا تزال تشكل عبئاً ثقيلاً على الأسر المغربية وعلى منظومة الحماية الاجتماعية برمتها.

في معرض رده على تساؤلات النواب، كشف الوزير أن نفقات تعويض الأدوية ارتفعت بنسبة 31 في المائة ما بين سنتي 2022 و2024، وهو ما يُمثل ضغطاً مباشراً على الميزانية العمومية، خصوصاً بعد تعميم التأمين الإجباري الأساسي عن المرض.

واعتبر التهراوي أن هذه المعطيات الصادمة تفرض إصلاحاً هيكلياً لمنظومة تسعير الأدوية، مؤكداً أن الحكومة اشتغلت خلال الفترة الأخيرة على إعداد مرسوم جديد من شأنه، عند المصادقة عليه، أن يفضي إلى خفض ملموس في الأسعار، مشيراً إلى أن هذا الورش تمت بلورته في إطار مقاربة تشاركية واسعة شملت أكثر من ثلاثين اجتماعاً مع الفاعلين المعنيين، من فدراليات صناعية وهيئات صيدلانية وصناديق التأمين.

وشدد المسؤول الحكومي، على أن هذا الإصلاح ليس مجرد إجراء تقني، بل خيار استراتيجي يروم ضمان الإنصاف في الولوج إلى الدواء، وتعزيز القدرة الشرائية للمواطنين، وتحفيز الاستثمار الوطني في قطاع استراتيجي، مبرزاً أن الصيغة النهائية للمرسوم وصلت مرحلتها الأخيرة وستُعرض قريباً على مجلس الحكومة.

كما أشار إلى أن النموذج الجديد لإصلاح منظومة التسعير يستند إلى مبادئ مبتكرة، من بينها تقليص آجال مراجعة الأسعار، والحفاظ على الأدوية منخفضة الثمن، وتشجيع الإنتاج المحلي، وتنزيل الإصلاح بشكل تدريجي لضمان استقرار السوق.

ورغم الطابع التوافقي الذي تحدث عنه الوزير، إلا أن المشروع لم يخلُ من انتقادات ومواقف رافضة، كان أبرزها موقف الكونفدرالية الوطنية لنقابات صيادلة المغرب، التي عبّرت، عقب اجتماع طارئ لمجلسها الوطني يوم 17 يوليوز الجاري، عن رفضها التام لصيغة المرسوم الجديد، واصفة إياه بـ"المنعطف الخطير" في مسار إصلاح المنظومة الدوائية، محذّرة من أنه يُهدد استقرار صيدليات القرب ويُعرض الأمن الدوائي الوطني للخطر.

وأعلنت الكونفدرالية استعدادها للتصعيد، ملوّحة بإضراب وطني قد يصل إلى إغلاق شامل للصيدليات في حال تجاهل الحكومة لمطالبها.

واعتبر المصدر النقابي أن المرسوم الجديد صيغ بمنطق أحادي دون إشراك حقيقي للمهنيين، وأن المقاربة التي اعتمدتها الوزارة تفتقر للتوازن بين متطلبات العدالة الاجتماعية ومصالح المهنيين، مشيراً إلى أن الصيادلة ليسوا ضد خفض الأسعار في المطلق، لكنهم يرفضون أن يتم ذلك على حساب استقرارهم الاقتصادي ودون ضمانات واضحة بشأن مستقبل مرفق حيوي يخدم ملايين المواطنين يومياً.

في المقابل، دخلت الجامعة الوطنية لجمعيات المستهلك على خط هذا الجدل، حيث أعلنت في بلاغ رسمي دعمها الكامل لمشروع وزارة الصحة، معتبرة أن تخفيض أسعار الأدوية لا يُعد استهدافاً للصيادلة، بل خطوة ضرورية لتكريس الحق الدستوري في العلاج والرعاية الصحية.

وأعربت الجامعة عن استغرابها الشديد من موقف الكونفدرالية، واصفة تلويحها بالإضراب بأنه تهديد مباشر لصحة المواطنين والأمن الدوائي في البلاد.

واعتبرت أن كرامة المستهلك لا تقل شأناً عن كرامة المهني، وأن كلفة العلاج المنخفضة ليست امتيازاً بل حق مكتسب يجب الدفاع عنه بقوة القانون والمجتمع، داعية الحكومة إلى عدم الرضوخ لأي ابتزاز مهني أو نقابي، والتسريع بتنزيل آليات المراقبة والمراجعة الشفافة لأسعار الأدوية.

كما طالبت الجامعة بفتح تحقيق شامل من طرف مجلس المنافسة والهيئات الرقابية المختصة حول مدى احترام مبادئ الشفافية والمنافسة داخل القطاع الصيدلي، خصوصاً في ظل الحديث المتكرر عن مظاهر احتكار وتواطؤ سعري بين بعض الفاعلين.

وفي خضم هذه التجاذبات، كشف وزير الصحة عن إجراءات مصاحبة تهدف إلى تعزيز الحكامة وترشيد منظومة الدواء، من أبرزها إحداث الوكالة المغربية للأدوية والمنتجات الصحية بموجب القانون 10.22، وهي مؤسسة جديدة ستُشرف على تنفيذ الإصلاحات المرتقبة ومواكبتها بورش رقمي طموح، يشمل رقمنة التراخيص والإجراءات، واعتماد الذكاء الاصطناعي في تقييم الأبحاث السريرية، فضلاً عن إطلاق منصة رقمية متكاملة للتتبع والدفع والتوقيع الإلكتروني لفائدة الفاعلين في القطاع.

كما أعلن الوزير عن مشروع إحداث مرصد وطني للأدوية كآلية استراتيجية لرصد الأسعار وتحليل ديناميات السوق وتوقع الانقطاعات، إضافة إلى منصة لوجستيكية وطنية موحدة لتموين المؤسسات الصحية العمومية بالأدوية والمستلزمات الطبية، تستجيب لحاجيات المجموعات الصحية الترابية، وتقلص من نسب الهدر الناتجة عن الانقطاعات أو انتهاء صلاحية الأدوية.

آخر الأخبار