خلافات سياسية تشل مهمة استطلاع "دعم الفراقشية".. والبيجيدي يطالب بتقصي الحقائق

الكاتب : انس شريد

28 July 2025 - 06:30
الخط :

دخل مجلس النواب في أزمة رقابية جديدة، بعد تفجر الخلافات حول تشكيل مهمة استطلاعية مؤقتة لتقييم الدعم العمومي الموجه لاستيراد المواشي وتسويق اللحوم الحمراء، وهو الملف الذي تحول من قضية تقنية إلى ساحة صراع سياسي وقانوني مكشوف، فجرته المعارضة برفضها المشاركة في هذه المهمة، واعتبارها غير شرعية، بينما صعّد حزب العدالة والتنمية موقفه بالمطالبة بلجنة تقصي حقائق تمتلك صلاحيات دستورية أوسع، في ظل اتهامات متبادلة بـ"التحايل السياسي" و"التمويه على فضائح الفساد".

وانطلق الجدل حين بادرت فرق الأغلبية إلى طلب تشكيل مهمة استطلاعية مؤقتة، رأت فيها آلية رقابية مناسبة لتقييم أثر الدعم العمومي لاستيراد الأبقار والأغنام واللحوم الحمراء، ومدى تحقيقه للهدف المعلن المتمثل في الحفاظ على القدرة الشرائية للمواطنين وسط تصاعد أسعار اللحوم، خاصة بعد موجات الجفاف وارتفاع كلفة الإنتاج محليا.

غير أن المعارضة اعتبرت هذه المبادرة التفافاً على مطالبها السابقة بتشكيل لجنة تقصي حقائق، وهو ما فجّر خلافاً حاداً داخل لجنة القطاعات الإنتاجية، التي لم تفلح في التوصل إلى توافق سياسي أو قانوني لتفعيل الآلية الرقابية المطلوبة.

الملف، الذي بات يُعرف إعلامياً باسم "دعم الفراقشية"، انكشف فيه التباين الصارخ في الأرقام الرسمية المتعلقة بكلفة الدعم. ففي الوقت الذي صرح فيه وزير التجهيز والماء نزار بركة بأن الغلاف المالي بلغ 13 مليار درهم، خرج رئيس مجلس النواب رشيد الطالبي العلمي لنفي هذا الرقم نفياً قاطعاً، مؤكداً أن الدعم لم يتجاوز 300 مليون درهم.

 

ووسط هذه الفوضى الرقمية، قدمت وزارة الفلاحة توضيحاً قالت فيه إن الكلفة الفعلية بلغت 437 مليون درهم موزعة على عامي 2023 و2024، ما أطلق موجة تساؤلات حول شفافية تدبير الدعم، والجهات المستفيدة منه، وأثره الفعلي على السوق.

ولم يقتصؤ رفض المعارضة، الذي قادته المجموعة النيابية للعدالة والتنمية، على موقف سياسي عابر، بل جاء مصحوباً بتبريرات قانونية صريحة، إذ اعتبر الحزب أن تشكيل المهمة الاستطلاعية يخالف مقتضيات النظام الداخلي لمجلس النواب، وأنه تم انتقاؤها بشكل انتقائي على حساب طلبات أخرى أكثر أولوية.

واتهم "البيجيدي" الأغلبية بالتهرب من المحاسبة ومحاولة طمس معالم "فضيحة حكومية" تثير شبهات فساد في توزيع الدعم على مستوردين محسوبين على جهات سياسية نافذة.

وأكدت المجموعة النيابية للحزب الإسلامي المعارض، في بلاغ رسمي، أن الآلية الأنسب لمعالجة هذا الملف هي لجنة تقصي الحقائق، بالنظر إلى ما توفره من صلاحيات دستورية تمكنها من استدعاء المسؤولين العموميين وممثلي القطاع الخاص تحت طائلة الإلزام، وهو ما لا تتيحه المهمة الاستطلاعية ذات الطبيعة الإخبارية المحدودة.

واعتبر الحزب أن ما يجري هو استغلال للأغلبية العددية لتمرير أجندة سياسية وتوفير غطاء برلماني على ما وصفه بـ"الفشل الحكومي في تدبير الأمن الغذائي"، داعياً إلى كشف الحقيقة كاملة أمام الرأي العام.

لم يقتصر الموقف الرافض للمشاركة في المهمة الاستطلاعية على حزب العدالة والتنمية، بل شمل أيضاً أحزاباً معارضة أخرى مثل الحركة الشعبية، التي اتهمت الأغلبية بـ"التحايل" على طلبها السابق، واتهمت رئيس لجنة القطاعات الإنتاجية بخرق الدستور بعدما لجأ إلى التصويت لتمرير المهمة المقترحة من الأغلبية دون اعتبار الترتيب الزمني للطلبات، في وقت لازال طلبها هو الأسبق. كما انسحب فريق التقدم والاشتراكية من المبادرة بدوره دون تقديم تبريرات مفصلة.

وترى المعارضة البرلمانية أن تشكيل المهمة جاء خارج الترتيب القانوني للطلبات المودعة، ويُعبّر عن غياب الموضوعية والحياد، كما أنه يمثل، حسب وصفها، توظيفاً سياسياً لآلية رقابية بهدف صرف الانتباه عن فضيحة تتعلق بتبذير المال العام وغياب الأثر الاجتماعي للدعم الحكومي الموجه لقطاع حيوي وحساس.

وفي المقابل، تصر الأغلبية على المضي قدماً في تشكيل المهمة الاستطلاعية، معتبرة أن الهدف منها هو تسليط الضوء على السياسات الحكومية في قطاع اللحوم الحمراء وتحقيق نوع من المراقبة البرلمانية البناءة، دون أن تلغي إمكانية فتح آليات رقابية أخرى في حال اقتضى الأمر ذلك.

غير أن استمرار هذا الانقسام السياسي الحاد يُهدد بتعطيل وظيفة رقابية أساسية داخل المؤسسة التشريعية، ويطرح علامات استفهام عريضة حول مدى احترام مقتضيات الدستور في ربط المسؤولية بالمحاسبة، خاصة عندما يتعلق الأمر بملفات تمس الأمن الغذائي للمواطنين في ظرفية اجتماعية واقتصادية دقيقة.

وفي ظل غياب توافق حول آلية التحقيق، وتعدد الروايات حول الكلفة الحقيقية للدعم، وتضارب المواقف حول الجهات المستفيدة، يبقى الملف مفتوحاً على كل الاحتمالات، بما فيها انفجار أزمة سياسية أوسع داخل مجلس النواب، إذا لم يتم الاحتكام إلى قواعد الشفافية، وتغليب المصلحة العامة على منطق التموقعات الحزبية الضيقة.

آخر الأخبار