المعارضة تحرك المياه الراكدة في ملف التعريفة الطبية وتحذر من إنهاك منخرطي CNSS
عادت قضية التعريفة المرجعية الوطنية للخدمات الصحية إلى واجهة النقاش العمومي والبرلماني، في ظل الانتقادات المتصاعدة من مختلف الأطراف بشأن جمودها وعدم ملاءمتها للتحولات العميقة التي يعرفها القطاع الصحي، سواء من حيث تطور كلفة العلاجات أو من حيث التقدم العلمي والتقني الذي عرفته الممارسة الطبية خلال العقدين الأخيرين.
هذا الواقع أعاد فتح جراح عدد من المؤمنين المتضررين من الفرق الكبير بين تكلفة الخدمات الفعلية والتعويضات المحدودة التي توفرها منظومة التأمين الإجباري عن المرض، خاصة بالنسبة لمنخرطي الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.
وفي هذا السياق، سلطت النائبة البرلمانية فريدة خنيتي، عن فريق التقدم والاشتراكية بمجلس النواب، الضوء على هذا الاختلال المزمن، من خلال سؤال كتابي موجه إلى وزيرة الاقتصاد والمالية، نادية فتاح العلوي، دعت فيه إلى مراجعة شاملة وعاجلة للتعريفة المرجعية، التي وصفتها بأنها لم تعد تُواكب الواقع، خصوصًا في ظل تجاوز أسعار بعض الفحوصات الطبية المتخصصة مبلغ 400 درهم، مقابل تعويض لا يتجاوز 200 درهم في إطار التأمين الإجباري.
واعتبرت النائبة البرلمانية أن هذا الوضع يُفرغ التغطية الصحية من مضمونها الاجتماعي، ويمس بمبدأ العدالة وتكافؤ الفرص في الولوج إلى العلاج، خصوصاً بالنسبة للفئات ذات الدخل المحدود.
السؤال البرلماني تضمن دعوة صريحة إلى اتخاذ إجراءات فورية بتنسيق بين وزارتي الاقتصاد والصحة، من أجل مراجعة شاملة للتعريفة المرجعية الوطنية، وجعلها أكثر مطابقة للأسعار المطبقة في الواقع.
كما طالبت النائبة الحكومة بوضع آليات فعالة لضمان احترام هذه التعريفة من طرف مقدمي الخدمات الصحية، تفادياً لمزيد من الإنهاك المالي الذي يطال منخرطي الصندوق، لا سيما في ظل غياب إطار رادع يضبط العلاقة بين التعريفة الرسمية والممارسة الفعلية.
وبموازاة النقاش البرلماني، نبّه تقرير مؤسسة الوسيط إلى مظاهر اختلال بنيوي داخل منظومة التغطية الصحية بالمغرب، مشيرًا إلى أن هذه الاختلالات باتت تمس مباشرة جوهر الخدمة الصحية، وتُعيق تمكين المواطن من حقه الكامل في الرعاية.
وأكد التقرير أن تأخر معالجة ملفات استرجاع المصاريف الطبية يشكل أحد أبرز أوجه الخلل، حيث يُجبر المرضى، لا سيما المنتمين للفئات الهشة، على تحمل مصاريف ثقيلة لفترات طويلة، في غياب أي ضمانات بالتعويض في الآجال المعقولة.
ولم يقف تقرير المؤسسة عند التأخر في صرف التعويضات، بل امتد إلى قضايا أكثر عمقاً، منها رفض تغطية أدوية ضرورية وباهظة الثمن مخصصة لعلاج أمراض مزمنة، ما يهدد استمرارية العلاج بالنسبة لعدد من المرضى، ويُشكل مساساً صريحاً بحقهم في الرعاية المنتظمة.
كما وجه التقرير انتقادات لاذعة إلى تدخل بعض هيئات التأمين الصحي في قرارات الأطباء المعالجين، معتبراً أن هذا السلوك يزعزع الثقة بين الطبيب والمريض، ويحد من حرية الممارسة الطبية، ويؤثر سلباً على جودة القرار العلاجي.
وانتقد التقرير نفسه ما وصفه بغياب الشفافية في تحديد قائمة العلاجات والخدمات المغطاة، حيث يؤدي هذا الغموض إلى ارتباك واسع لدى المواطنين، ويُضعف من قدرتهم على اتخاذ قرارات علاجية مدروسة بناءً على معرفة مسبقة بالتكاليف المحتملة والمبالغ القابلة للتعويض.
كما سجل التقرير أن نسب التعويض الحالية لا تعكس بأي شكل من الأشكال التكاليف الفعلية للخدمات الطبية في السوق، ما يعزز الشعور بالغبن لدى المواطنين المؤمنين، ويُفاقم التفاوتات في الاستفادة من منظومة الحماية الاجتماعية.
ومن المظاهر التي رصدها التقرير كذلك، رفض تعويض ملفات مرضى بسبب حذف الطبيب المعالج من لائحة الممارسين المعتمدين، رغم أن المريض لا علاقة له بهذا الإجراء ولا علم له به. واعتُبر هذا السلوك منافياً لمبدأ الإنصاف، ويؤكد الحاجة إلى مراجعة شاملة للآليات الإدارية المعتمدة داخل صناديق التأمين.
في ضوء هذه المعطيات، تتجدد الدعوات إلى إعادة النظر في السياسة الصحية الوطنية، وفتح ورش مراجعة التعريفة المرجعية الطبية على أسس واقعية ومنصفة، تأخذ بعين الاعتبار الأوضاع الاجتماعية للمنخرطين، وتُعزز البُعد التضامني الذي يُفترض أن يُميز منظومة الحماية الاجتماعية.
كما يُنتظر من الحكومة أن تُبادر إلى إشراك المهنيين والفاعلين المدنيين في بلورة تصور جديد لتأمين صحي أكثر عدالة وفعالية، في وقت أصبحت فيه التغطية الصحية الشاملة أحد الأعمدة الأساسية للنموذج التنموي الجديد.