القيادات تحرك القواعد.. تعبئة حزبية متسارعة لإعداد مقترحات انتخابات 2026
في خطوة استباقية تعكس حجم الرهان السياسي على الاستحقاقات التشريعية المقبلة، دخلت الأحزاب المغربية مرحلة استنفار داخلي غير مسبوق، تفاعلاً مع دعوة وزارة الداخلية إلى تقديم مقترحاتها بشأن تعديل القوانين الانتخابية قبل نهاية شهر غشت الجاري.
الدعوة جاءت مباشرة بعد الخطاب الملكي بمناسبة عيد العرش، الذي حدد بوضوح معالم المرحلة المقبلة، داعيًا إلى تنظيم الانتخابات في موعدها الدستوري وبما يعزز مسار الديمقراطية ويعيد الثقة إلى المؤسسات المنتخبة.
وزارة الداخلية التي تولت قيادة هذا الورش التحضيري، عقدت أول اجتماع رسمي مع الأمناء العامين للأحزاب السياسية الممثلة في البرلمان يوم السبت 2 غشت، إيذانًا بانطلاق مرحلة تشاورية دقيقة يُنتظر أن تسفر عن إصلاحات قانونية وتنظيمية عميقة. اللقاء شكل اختبارًا عمليًا لمدى جاهزية النخب السياسية في البلاد، وأطلق دينامية جديدة تنسجم مع الإرادة الملكية المعلنة، والتي ترى في تطوير المنظومة الانتخابية خطوة أساسية في مسار تعزيز دولة القانون والمؤسسات.
وقد بدا لافتًا أن قيادة هذا المسار تم إسنادها إلى وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت، بدلًا من رئيس الحكومة كما جرت العادة في الولايتين السابقتين، مما يعكس توجها مؤسساتيًا يرمي إلى تحييد النقاش الانتخابي عن التجاذبات السياسية، وضمان إشراف إداري محايد يُحصّن العملية من شبهات التوجيه أو الاستغلال.
وفي هذا السياق، بادرت قيادات حزبية إلى مراسلة قواعدها وهيئاتها التقريرية من أجل تعبئة العقول والكفاءات للمساهمة في إعداد مقترحات متكاملة.
حزب الحركة الشعبية، مثلًا، وجه اليوم الإثنين نداءً إلى أعضاء مجلسه الوطني، دعاهم فيه إلى موافاة الأمانة العامة بمقترحاتهم قبل 20 غشت، تمهيدًا لصياغة مذكرة حزبية سيتم رفعها إلى وزارة الداخلية.
هذه الدعوة تعكس حرص الأحزاب على الانخراط المسؤول في المسار الإصلاحي، ومحاولة استباق أي تهميش محتمل لأدوارها في ظل مناخ سياسي داخلي يتسم بارتفاع منسوب الشكوك الشعبية تجاه العمل الحزبي.
وفي خضم هذا الحراك، برز موقف حزب العدالة والتنمية، الذي خرج أمينه العام عبد الإله بنكيران في كلمة مصورة بثها الحزب عبر قنواته الرسمية، مؤكدًا انخراطه في التحضيرات الجارية، وداعيًا إلى تقليص عدد مكاتب التصويت، بدعوى تسهيل المراقبة وضمان الشفافية.
بنكيران الذي وصف انتخابات 2021 بـ"الفاشلة"، عاد ليعتبر أن التوجيهات الملكية الأخيرة تمثل فرصة لانطلاقة سياسية جديدة، داعيًا إلى التقاطها بروح إيجابية ومسؤولة.
القيادي الإسلامي كشف أن لقاءً جمع نائب أمينه العام إدريس الأزمي بممثلي وزارة الداخلية، عبّر خلاله هؤلاء عن وعيهم بوجود اختلالات في العملية الانتخابية الماضية، وهي إشارة اعتبرها بنكيران مؤشرًا على "وجود رغبة في تصحيح المسار".
وأعلن الحزب أيضًا أنه بصدد إعداد مذكرة تتضمن مقترحات قانونية وتقنية بشأن الانتخابات المقبلة، ستتمحور حول ضبط المال السياسي ومنع تدخل رجال السلطة، مع التشديد على أن الوثيقة ستكون "مختصرة ومركزة".
تزامنًا مع هذه المواقف، واصلت وزارة الداخلية لقاءاتها مع الأحزاب السياسية، حيث عقد الوزير لفتيت اجتماعًا تشاوريًا مع قادة وممثلي تسعة أحزاب برلمانية، في جلسة مطوّلة وصفت من قبل المشاركين بـ"الإيجابية والمسؤولة".
اللقاء تناول قضايا محورية مثل رفع نسبة المشاركة، محاربة الفساد الانتخابي، وتحصين العملية من التلاعبات. وقد تم الاتفاق على أن تقدم الأحزاب مقترحاتها بشأن المنظومة القانونية المؤطرة للانتخابات قبل نهاية الشهر الجاري.
وفي تصريح لافت عقب الاجتماع، أوضح إدريس الأزمي الإدريسي، نائب الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، أن الاجتماع جاء تجاوبًا مع خطاب العرش، واصفًا مداخلة وزير الداخلية بـ"الواضحة والدقيقة"، خاصة في ما يتعلق بالتشديد على صون نزاهة الاستحقاقات وضمان تعبير صادق عن إرادة المواطنين.
الأزمي اعتبر أن الاجتماع تميز بكثافة المضمون، حيث اقتصرت تدخلات الأحزاب على خمس دقائق لكل منها، ما أتاح مناقشة فعالة ومركزة.
الوزير لفتيت، وفق رواية الأزمي، أكد مرارًا التزام الدولة بمواصلة بناء مؤسسات تستمد شرعيتها من الشعب، وأن الإدارة ستظل منفتحة على كل المقترحات، تحت إشراف القضاء لضمان الحياد.
كما شدد على أن أي تجاوز سيمس بمصداقية العملية الانتخابية سيتم التعامل معه بصرامة، وأن اختيار المرشحين مسؤولية مشتركة بين الأحزاب والدولة.
وقد تم الاتفاق على عدد من المحاور للنقاش المستقبلي، من أبرزها تحيين اللوائح الانتخابية، تخليق المسار الانتخابي، مراجعة قوانين تمويل الأحزاب، وتمكين النساء والشباب من ولوج المجالس المنتخبة.
كما طُرحت أفكار تتعلق بتطوير وسائل الإعلام المواكبة للاستحقاقات، وتحديد الجدولة الزمنية للانتخابات، بما يضمن احترام الدستور وانتظام المواعيد السياسية.
العديد من الأحزاب عبّرت، عقب اللقاء، عن ارتياحها لمضامين كلمة وزير الداخلية، مشيدة بانفتاح الوزارة واستعدادها للتفاعل الجاد مع مقترحات الفاعلين السياسيين.
كما أجمعت على أن الورش الحالي يجب أن يُستثمر لترميم الثقة المتآكلة بين المواطن والمؤسسات المنتخبة، وإعادة الاعتبار للعمل السياسي.
في هذا السياق، أعرب حزب العدالة والتنمية عن تمسكه بانتخابات نزيهة تحترم الإرادة الشعبية، مشيرًا إلى أن الهدف الأسمى ليس الفوز السياسي، بل تحسين صورة الانتخابات داخليًا وخارجيًا، والقطع مع كل الممارسات المسيئة للديمقراطية.
ويأتي كل هذا الحراك في ظرفية وطنية دقيقة، تتسم بتحديات إقليمية ودولية متزايدة، واستحقاقات كبرى تلوح في الأفق، تستوجب وجود مؤسسات شرعية وفعالة.