أجور تقل عن القانون وتغطية غائبة.. هل تجاهلت وزارة الشغل تجاوزات شركات الحراسة؟
يشكل قطاع الأمن الخاص في المغرب أحد المرتكزات الحيوية لضمان استمرارية العمل داخل المؤسسات العمومية والخاصة، حيث يضطلع العاملون فيه بدور محوري في الحفاظ على النظام وتأمين الفضاءات المهنية والتعليمية والصحية والإدارية.
غير أن هذا الدور الحساس لا ينعكس بالضرورة على أوضاعهم المهنية والاجتماعية، التي تزداد تدهورًا في ظل تنامي مظاهر الاستغلال والهشاشة، وانعدام الاستقرار المهني، وضعف الرقابة على مدى احترام حقوقهم المشروعة.
في الميدان، تبرز شهادات عديدة صادرة عن النقابات المهنية، تنقل واقعًا مقلقًا يعيشه العاملون في شركات الحراسة، حيث تتكرر شكاوى التأخر المستمر في صرف الأجور، والحرمان من التعويضات المستحقة عن الساعات الإضافية، فضلًا عن غياب التصريح الإجباري لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، ما يسلب هؤلاء الحراس الحق في التغطية الصحية والتقاعدية، ويتركهم في مواجهة مصير مجهول بمجرد انتهاء مدة عقودهم المؤقتة أو تعسف المشغّل.
وتتجاوز التجاوزات المهنية ما هو مادي لتطال الحقوق القانونية، إذ تلجأ بعض الشركات إلى فسخ العقود بشكل انفرادي دون مراعاة الحد الأدنى من الإجراءات القانونية، في تغييب تام لمبدأ احترام كرامة العمل والضمانات الأساسية المكفولة بموجب القانون.
هذه الانتهاكات، التي تحدث في كثير من الأحيان تحت أنظار المؤسسات العمومية المتعاقدة، تضع الدولة في موقع المساءلة الأخلاقية والسياسية، خاصة حين يتعلق الأمر بصفقات موجهة لحراسة مؤسسات تعليمية أو إدارية رسمية.
في هذا السياق، أعرب الحسين اليماني، الكاتب العام للكونفدرالية الديمقراطية للشغل بالمحمدية، عن استيائه الشديد إزاء ما وصفه بـ"التحايل المنظم على القانون"، محملًا إحدى شركات الحراسة المتعاقدة مع المديرية الإقليمية للتربية الوطنية مسؤولية فرض أجور زهيدة على المستخدمين العاملين بمؤسسات تعليمية في المدينة.
وحسب تصريحه الذي توصلت به "الجريدة 24"، فإن الشركة تجبر المستخدمين على توقيع عقود بأجر شهري لا يتجاوز 2200 درهم، وهو مبلغ يقل بكثير عن الحد الأدنى القانوني للأجور الذي تم رفعه إلى 3266 درهم ابتداء من يناير 2025.
واستنكر اليماني ما سماه بـ"اغتصاب القانون"، موجهًا انتقادًا صريحًا للجهات العمومية المتدخلة، وعلى رأسها وزارة التربية الوطنية، التي أوكلت الصفقة إلى الشركة المعنية، ما يجعل الدولة، حسب قوله، مسؤولة بشكل غير مباشر عن انتهاك حقوق شريحة من المواطنين الذين يخدمون المصلحة العامة.
كما دعا المندوبية الإقليمية للتعليم بالمحمدية إلى التحرك الفوري من أجل إلزام الشركة باحترام القانون أو فسخ التعاقد معها، محذرًا من فقدان الدولة لمصداقيتها إذا ما واصلت التغاضي عن هذه الممارسات.
ومن جهة أخرى، كشفت معطيات رسمية صادرة عن وزارة الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات، حجم الاختلالات التي رصدتها مصالح تفتيش الشغل في هذا القطاع.
فخلال العام الماضي، تم تنفيذ 29,711 زيارة ميدانية لمراقبة مدى احترام التشريعات الاجتماعية، شملت وحدات إنتاجية متعددة، من ضمنها شركات الحراسة.
وأسفرت هذه الزيارات عن توجيه ما مجموعه 254,039 ملاحظة إلى أرباب العمل، منها 61,099 ملاحظة تتعلق بالأجور، و6,968 ملاحظة بشأن الحد الأدنى للأجر، إلى جانب آلاف الملاحظات المرتبطة بظروف الصحة والسلامة المهنية، وغياب التغطية الاجتماعية.
وأوضح الوزير يونس السكوري، في جواب على سؤال كتابي بمجلس النواب، أن مفتشي الشغل حرروا خلال الفترة ذاتها 158 محضرًا شمل 316 جنحة و370 مخالفة، وهو ما يعكس حجم التجاوزات التي يتم تسجيلها بانتظام داخل هذا القطاع.
وشدد الوزير على أن جزءًا كبيرًا من شركات الحراسة تشتغل بموجب صفقات عمومية مع إدارات ومؤسسات تابعة للدولة، مما يستوجب فرض احترام صارم للضوابط القانونية المنصوص عليها، ومنها منشور رئيس الحكومة الصادر بتاريخ 31 يناير 2019، الذي يحث الإدارات العمومية على احترام التشريعات الاجتماعية في صفقات النظافة والصيانة والحراسة.
ويأتي هذا التحذير في وقت يشهد فيه نشاط الحراسة الخاصة إقبالًا متزايدًا من مختلف القطاعات، وهو ما فرض ضرورة تقنينه عبر إصدار القانون 27.06 ومرسومه التطبيقي رقم 2.09.97، الهادفين إلى تنظيم المجال وتحديد شروط ممارسته، دون أن ينجحا بعد في القضاء على المظاهر العشوائية والتجاوزات التي ما زالت تنخر القطاع.
وبات من الضروري، في ظل هذه المعطيات، العمل على تفعيل رقابي صارم، وإعادة النظر في منظومة الصفقات العمومية، وربطها بمؤشرات احترام الحقوق الاجتماعية للعاملين، فضلًا عن تمكينهم من أدوات التبليغ والحماية النقابية والقانونية، بما يضمن تصحيح هذا الوضع المختل، ويؤسس لعلاقة تعاقدية أكثر توازنًا بين شركات الحراسة والمستخدمين، في إطار احترام تام لروح القانون ومبادئ العدالة الاجتماعية.