منصة جزائرية لخطاب انفصالي.. هل وضعت البوليساريو نظام الكابرانات في مأزق دولي؟

الكاتب : انس شريد

05 August 2025 - 10:30
الخط :

أثارت الجامعة الصيفية التي نظمتها جبهة البوليساريو الانفصالية مؤخرًا في ولاية بومرداس الجزائرية موجة من السخط وردود الفعل السياسية الحادة، لا سيما في أوساط المعارضين للنظام الحاكم في الجزائر.

ولم تقتصر الانتقادات، على مضمون الخطاب التصعيدي الذي أطلقه قياديون من الجبهة ضد عدد من الدول، بل طالت أيضًا السياق السياسي الذي سمح باحتضان هذا الحدث على التراب الجزائري، في وقت يواجه النظام انتقادات داخلية متزايدة بشأن جدوى الانخراط المستمر في دعم المشروع الانفصالي.

وشكلت تصريحات بشرايا حمودي بيون، من يُسمى بـ"الوزير الأول" في كيان البوليساريو، خلال افتتاح الدورة الـ13 من الجامعة الصيفية، مفترقًا جديدًا في علاقة الجبهة بالجزائر، بعد أن وجّه اتهامات صريحة إلى عدد من الدول التي تربطها علاقات دبلوماسية بالجزائر، من بينها إسبانيا، فرنسا، ودول الخليج.

القيادي الانفصالي لم يكتفِ بالتشكيك في نوايا هذه الدول، بل ذهب إلى حد اتهامها بالمشاركة في "تحالفات مشبوهة مع المغرب"، في إشارة إلى الاعتراف الدولي المتنامي بسيادة الرباط على أقاليمها الجنوبية، وهي تصريحات وصفتها جهات جزائرية معارضة بأنها "تمس بمصالح الدولة وتضعها في مأزق دبلوماسي خطير".

وفي هذا الصدد، هاجم الناشط السياسي عبد الكريم زغيلش،  ما اعتبره ازدواجية في ممارسات السلطة، حيث قال في تدوينة نارية نشرها على حسابه الرسمي: "ولاية بومرداس الجزائرية، الولاية الجزائرية التي منعت تنظيم جامعة صيفية لحزب جزائري معتمد من طرف وزارة الداخلية الجزائرية، معتمد من طرف الجمهورية الجزائرية!!! تقوم في المقابل بتنظيم جامعة صيفية لجبهة البوليساريو!! البلاد بلادهم ومدايرين رايهم."

ولم يتوقف زغيلش، عند حدود السخرية من المفارقة السياسية التي ترعاها السلطة، بل اتهمها صراحة بتحويل ولاية بومرداس إلى "منصة إعلامية" لجبهة لا تعترف بها معظم دول العالم، مبرزًا أن الخطاب الذي ألقي خلال المناسبة تضمّن هجومًا مباشرًا على شركاء الجزائر التجاريين والدبلوماسيين، وفي مقدمتهم إسبانيا، في وقت تحاول فيه الدولة إصلاح علاقتها المتوترة مع مدريد.

واعتبر أن مثل هذه التصريحات لا تمثل فقط استفزازًا خارجيًا، بل تمسّ بالجزائر نفسها وبمكانتها على الساحة الدولية، متسائلًا بلهجة شعبية حادة: "من دفع ثمن هذا الحدث؟ من أين جاءت الأموال؟"

وتناغمت هذه التساؤلات مع ارتفاع أصوات من داخل الجزائر تطالب بكشف حقيقة التمويلات التي تتلقاها الجبهة، ومدى قانونية استخدامها في شن حملات إعلامية وسياسية ضد دول ذات صلة مباشرة بالمصالح الاستراتيجية الجزائرية.

على المستوى الدولي، تزامنت تصريحات قيادة البوليساريو مع تصعيد غير مسبوق في المواقف الداعمة للمغرب، والتي كرست واقع السيادة على أقاليمه الجنوبية كمُعطى لا رجعة فيه، ما وضع الجبهة في حالة ارتباك سياسي واضح، خاصة بعد تلميح بشرايا حمودي بيون إلى استعداد الجبهة "للدخول في مفاوضات مباشرة مع المغرب تحت رعاية الأمم المتحدة وبدون شروط مسبقة"، في خطاب بدا منفصلًا تمامًا عن اللهجة التصعيدية التي اتسمت بها الجامعة ذاتها.

هذا التناقض في الخطاب، وفق مراقبين، يعكس ضياع البوصلة السياسية لدى قيادة الجبهة التي باتت تواجه عزلة دولية خانقة، وتآكلًا داخليًا في شرعية المشروع الانفصالي، مقابل تنامي واقع التنمية والدعم الدولي الذي تحصده المبادرة المغربية للحكم الذاتي.

من جهة أخرى، جاءت التصريحات الأخيرة لمسؤول أمريكي بارز، هو المستشار مسعد بولوس، لتشكل ضربة قوية للخطاب الانفصالي. بولوس، المقرب من الإدارة الأمريكية السابقة والحالية، جدّد في حوار صحفي نشرته جريدة "الوطن" الجزائرية التأكيد على أن الولايات المتحدة تعتبر مبادرة الحكم الذاتي المغربية "الإطار الوحيد الجاد والواقعي والممكن لحل النزاع".

مضيفًا أن هذا الموقف يمثل "استمرارية استراتيجية" في السياسة الخارجية الأمريكية، تم تثبيتها عبر الإدارات المتعاقبة، وأنه سبق وأبلغ الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون ووزير خارجيته بهذا الموقف خلال محادثات مباشرة وصريحة في الجزائر العاصمة.

ولم تمر تصريحات بولوس مرور الكرام، خاصة أنها نُشرت في وسيلة إعلام جزائرية رسمية، وشكّلت، بحسب متابعين، صفعة قوية لـ"أبواق الكابرانات"، في إشارة إلى المنظومة الإعلامية المرتبطة بالمؤسسة العسكرية الجزائرية، والتي ظلت تروج لخطاب عدائي تجاه المغرب، وتتبنى بشكل أعمى رواية الجبهة الانفصالية.

في ظل هذا المشهد، تواصل القوى الكبرى على الساحة الدولية، من الولايات المتحدة الأمريكية إلى إسبانيا وفرنسا وبريطانيا، التعبير العلني عن دعمها للموقف المغربي، فيما تتجه مواقف عدة دول نحو سحب الاعتراف بالجبهة، بل والمطالبة بتصنيفها كمنظمة إرهابية بسبب ارتباطاتها الغامضة ببؤر التوتر في منطقة الساحل.

آخر الأخبار