عمدة البيضاء تُواجه تحدي “التمييز المجالي”.. والمقاطعات الهشة تطالب بنصيبها من التنمية

الكاتب : انس شريد

07 August 2025 - 10:30
الخط :

بدأ رؤساء المقاطعات ذات الطابع الهش والمهمش في الضغط على عمدة الدار البيضاء نبيلة الرميلي، محاولين دفعها إلى اتخاذ قرارات ملموسة تنهي حالة التفاوت المجالي الصارخ بين مختلف أحياء العاصمة الاقتصادية.

هذه التحركات التي تجري في كواليس المجلس الجماعي بدأت تأخذ طابعًا منظمًا، بعدما توالت الشكاوى من غياب مشاريع مهيكلة داخل مناطق واسعة من المدينة، على رأسها أحياء مولاي رشيد وسيدي مومن وسيدي عثمان، والتي تعاني من اختلالات مزمنة في البنيات والخدمات.

مصادر متطابقة للجريدة 24 أفادت بأن الاجتماع الذي عقده المكتب المسير للجماعة بداية الأسبوع الجاري، التمس فيه عدد من الجهات المنتخبة على مستوى المقاطعات المذكورة في إدراج نقاط المشاريع في جدول أعمال دورة أكتوبر 2025 المخصصة للميزانية.

وطالب المنتخبون بضرورة إدراج هذه الإشكاليات في جدول أعمال دورة أكتوبر المقبلة، لا سيما وأنها ستخصص لمناقشة الميزانية السنوية التي يُعوَّل عليها لتصحيح المسارات التنموية داخل المدينة.

الاجتماع الذي جاء أيضًا في سياق تفاعلي مع الخطاب الملكي بمناسبة عيد العرش، اتخذ طابعًا استراتيجيًا في مخرجاته، حيث دعت العمدة إلى إعادة ترتيب الأولويات على ضوء مضامين الخطاب الملكي الذي شدد على ضرورة النجاعة في التدبير، ومكافحة أشكال الريع والتمييز المجالي، وتحقيق التقائية بين البرامج العمومية.

وفي كلمتها أمام أعضاء المكتب، شددت الرميلي على أن اللحظة تفرض القطع مع المقاربات التقليدية، واعتماد رؤية شمولية مندمجة تنبني على مبادئ الإنصاف والتوزيع العادل للموارد، والتفاعل السريع مع الانتظارات الملحة للمواطنين.

الرميلي أشارت إلى أهمية تسريع وتيرة إنجاز المشاريع الحيوية، خصوصًا تلك المرتبطة بخدمات القرب، كالنظافة، وتدبير المساحات الخضراء، وتأهيل الموارد المائية، معتبرة أن هذا المسار يمثل حجر الزاوية في تحويل الدار البيضاء إلى مدينة قابلة للعيش، وذات جاذبية واستدامة.

كما نوهت بمجهودات الجماعة في إطلاق حملة “صيف نظيف”، التي شهدت انخراطًا لافتًا من الساكنة والمجتمع المدني، وفتحت الباب أمام تجربة جديدة من التفاعل بين الفاعلين المحليين والمؤسسات العمومية.

في الجانب العملي، عرف الاجتماع عرضًا تقنيًا من طرف ممثل شركة “الدار البيضاء للبيئة”، تطرق إلى مشاريع ترتبط بتثمين الموارد المائية، من خلال إنشاء محطات لمعالجة المياه العادمة، وتأهيل العيون الطبيعية، واعتماد تقنيات الري الذكي بالمياه غير الصالحة للشرب.

هذه الخطوات، وفق ما جاء في العرض، تأتي في إطار التصدي لمخاطر الإجهاد المائي، وتحسين جودة الفضاءات الخضراء، ومواكبة التغيرات المناخية التي باتت تؤثر بشكل مباشر على بيئة المدينة.

وفي معرض تفاعلهم مع هذا العرض، دعا عدد من أعضاء المكتب المسير إلى ترسيخ ثقافة التدبير الرشيد والاستثمار في البنية البيئية كخيار استراتيجي، مؤكدين أن التنمية الحقيقية لا يمكن أن تتحقق دون ضمان عدالة ترابية تنعكس على جميع أحياء المدينة، وليس فقط المناطق التي تحظى بتغطية إعلامية أو اهتمام خاص.

كما شددوا على ضرورة مراجعة معايير توزيع المشاريع، وربطها بمؤشرات واقعية تعكس حجم الحاجيات، والكثافة السكانية، ومؤشرات الهشاشة الاجتماعية.

وعلى الرغم من النبرة التوافقية التي طبعت ختام الاجتماع، إلا أن الاحتقان لا يزال سيد الموقف داخل أروقة بعض المقاطعات، التي ترى في برمجة المشاريع الحالية استمرارًا لنهج التمييز المجالي.

وفي هذا السياق، عبّر عدد من المنتخبين عن استغرابهم من استمرار ضخ الاستثمارات في مناطق محدودة، في وقت تغرق فيه مقاطعاتهم في مشاكل بنيوية، كضعف شبكات التطهير، وغياب الفضاءات الثقافية والرياضية، وانتشار البناء العشوائي.

وتتقاطع هذه الانتقادات مع مواقف صريحة لعدد من الفاعلين الجمعويين، الذين عبروا عن خيبة أملهم من بطء تفعيل المخططات التنموية، واستمرار تجاهل الأحياء الهامشية، التي ما تزال تعاني من انعدام المرافق الأساسية، وسوء الخدمات العمومية، وغياب برامج الإدماج السوسيو-اقتصادي. واعتبر هؤلاء أن أحياء مثل ليساسفة، التشارك، مولاي رشيد وسيدي مومن، لا تزال خارج حسابات التنمية، رغم أنها تمثل خزانًا بشريًا ضخمًا، وتتوفر على إمكانيات تؤهلها للانخراط في الدينامية العامة للمدينة، إذا ما توفرت الإرادة السياسية.

وفي ظل هذا الوضع، دعت فعاليات محلية إلى تنظيم مناظرة حضرية مفتوحة، بمشاركة الفاعلين السياسيين والمدنيين والخبراء، لبلورة رؤية ترابية جديدة تأخذ بعين الاعتبار ضرورة رفع التهميش، وتحقيق عدالة مجالية حقيقية، بدل الاستمرار في معالجات سطحية لا تلامس عمق الأزمة.

كما طالبوا بإحداث آلية لتتبع تنفيذ المشاريع، وربط المسؤولية بالمحاسبة، للحد من ما سموه "اللاعدالة المُمأسسة" التي طالت مناطق بأكملها لسنوات.

وتُعد هذه التفاعلات مؤشرًا على تصاعد الوعي المحلي بأهمية التوزيع المنصف للموارد، وتكريس مبدأ العدالة المجالية باعتباره المدخل الأساسي لتحقيق التنمية الحضرية المستدامة.

وفي مقابل هذا الضغط التصاعدي، تُواجه العمدة نبيلة الرميلي تحديًا حقيقيًا في الحفاظ على التوازن داخل الأغلبية، وتحقيق التزاماتها تجاه الساكنة، وسط إكراهات مالية وبيروقراطية لا تخفى على أحد.

وتجدر الإشارة إلى أن الدار البيضاء تعرف، في المقابل، انطلاقة مجموعة من المشاريع الكبرى في مجالات متعددة، من النقل الحضري إلى إعادة تأهيل الأسواق والمساحات العامة، وتوسيع شبكة الطرق وتجديد الحافلات، وذلك بشراكات مؤسساتية ومالية ضخمة.

في النهاية، يبدو أن دورة أكتوبر المقبلة ستكون محكًا حاسمًا لتحديد المسار التنموي للمدينة، واختبار مدى قدرة المجلس الجماعي على التجاوب مع المطالب المتزايدة للمنتخبين والمجتمع المدني، في سبيل تحقيق تنمية متوازنة وشاملة تعيد الثقة للمواطن في العمل الجماعي، وتمنح الدار البيضاء ما تستحقه كعاصمة اقتصادية للمملكة.

آخر الأخبار