سيول الجنوب الشرقي تعري واقع "المغرب المنسي".. وتحرج المسؤولين بعد الخطاب الملكي
شهدت أقاليم الجنوب الشرقي للمملكة، خلال الأسبوع الجاري، موجة من التساقطات المطرية المتقطعة لم تتجاوز مدتها بضعة أيام، لكنها كانت كافية لكشف هشاشة البنية التحتية والطرقية في مناطق ما تزال تعاني من مظاهر التهميش والعزلة.
فقد انهارت مسالك طرقية وتضررت سدود تلية، في مشاهد أعادت إلى الواجهة صورة “المغرب المنسي” الذي يجد نفسه في كل موسم مطري أمام نفس المعاناة، وسط غضب واسع من فعاليات مدنية وجمعوية على مواقع التواصل الاجتماعي، اعتبرت أن ما وقع يفضح تقصير الجهات المنتخبة وتهاونها في تنفيذ مشاريع قادرة على حماية أرواح وممتلكات المواطنين.
وتعرضت أقاليم أزيلال وتنغير وبولمان والرشيدية وورزازات لأضرار كبيرة، بعدما ارتفع منسوب المياه في عدد من الأودية، متسببًا في سيول جارفة اجتاحت حقولًا ومساكن بمناطق قروية، مخلفة خسائر مادية فادحة للسكان.
في إقليم ورزازات، أدت الأمطار الغزيرة التي تهاطلت، الثلاثاء الماضي، إلى انقطاع حركة السير على الطريق الوطنية رقم ، الشريان الحيوي الرابط بين ورزازات ومراكش، على مستوى منعرجات تيشكا الجبلية.
مقاطع الفيديو التي انتشرت على منصات التواصل الاجتماعي أظهرت سيولاً جارفة قادمة من الأودية المجاورة، وقد غمرت أجزاء واسعة من الطريق، ما تسبب في توقف تام لحركة المسافرين والمركبات في الاتجاهين.
وتدخلت السلطات المحلية وعناصر الدرك الملكي لتنظيم حركة المرور وتحذير السائقين من مخاطر الاستمرار في المسالك المغمورة بالمياه، في انتظار تحسن الأحوال الجوية وفتح الطريق من جديد.
هذه المشاهد أثارت موجة استياء على منصات التواصل، حيث عبرت فعاليات جمعوية عن غضبها وصفوه بـ"الإهمال البنيوي" الذي يترك ساكنة الجنوب الشرقي تحت رحمة التقلبات المناخية كل عام، معتبرين أن غياب قنوات تصريف المياه ومنشآت الحماية في المقاطع الجبلية الحساسة دليل على ضعف التخطيط وغياب الصيانة الدورية، رغم أن هذه الطريق تُعد مسلكًا استراتيجيًا لربط الجنوب الشرقي بباقي جهات المملكة.
وفي الوقت الذي تعرف فيه مدن مغربية كبرى دينامية غير مسبوقة في مشاريع البنية التحتية استعدادًا لاحتضان تظاهرات عالمية، وعلى رأسها كأس العالم 2030، تظل مناطق الجنوب الشرقي على الهامش، تصارع العزلة وتتجرع معاناة الانقطاع عن العالم الخارجي عند أول اختبار مناخي.
ويشكل وضع الطريق الوطنية رقم 9 عبر منعرجات تيشكا نموذجًا صارخًا لهذه المعاناة، حيث تتحول إلى كابوس حقيقي للمسافرين كلما هطلت الأمطار أو تساقطت الثلوج.
ناشطون مدنيون وجمعويون شددوا عبر صفحاتهم على أن تأهيل المناطق الهشة أصبحت ضرورة، في وقت تتجه فيه استثمارات ضخمة إلى مدن أخرى تحظى بالأولوية في مشاريع الربط والتأهيل.
وتزامنت الأحداث الأخيرة مع الخطاب الملكي بمناسبة الذكرى السادسة والعشرين لتربع جلالة الملك محمد السادس على العرش، والذي شدد فيه على أنه "لا مكان اليوم ولا غدًا لمغرب يسير بسرعتين"، مبرزًا أن بعض المناطق، خاصة في العالم القروي، لا تزال تعاني من الفقر والهشاشة بسبب نقص البنيات التحتية والمرافق الأساسية.
ودعا جلالته إلى الانتقال من المقاربات التقليدية للتنمية الاجتماعية إلى مقاربة تنمية مجالية مندمجة، تقوم على تثمين الخصوصيات المحلية وترسيخ الجهوية المتقدمة والتضامن بين المجالات الترابية.
خطاب جلالة الملك، الذي أعلن فيه عن توجيه الحكومة لاعتماد جيل جديد من برامج التنمية الترابية، جعل فعاليات الجنوب الشرقي ترى فيما وقع امتحانًا حقيقيًا لمدى جدية السلطات والجهات المنتخبة في تنزيل التوجيهات الملكية على أرض الواقع. فالأولويات التي حددها جلالته، من دعم التشغيل، وتحسين الخدمات الاجتماعية، وتدبير الموارد المائية، وصولًا إلى مشاريع التأهيل الترابي المندمج، تظل، بالنسبة لسكان هذه الأقاليم، مجرد وعود إذا لم ترافقها إرادة سياسية قوية لمعالجة الاختلالات المزمنة.
وبينما يطالب السكان والفاعلون المحليون بقرارات عاجلة لوقف تكرار سيناريوهات العزلة والانهيارات، يرى متابعون أن الوقت قد حان لوضع الجنوب الشرقي في قلب السياسات التنموية، ليس فقط وفاءً لتوجيهات المؤسسة الملكية، بل التزامًا بحق هذه المناطق في تنمية عادلة تضمن ربطها بباقي جهات المملكة بشكل آمن ومستدام، وتُنهي عقودًا من التهميش الذي أصبح في نظرهم عنوانًا غير مقبول لمغرب اليوم.