هل تتجه الحكومة إلى إدماج القطاع غير المهيكل في النسيج الاقتصادي المنظم؟
يشكل القطاع غير المهيكل في المغرب إحدى القضايا الاقتصادية والاجتماعية البارزة التي تحظى باهتمام متزايد من طرف الحكومة والخبراء، بالنظر إلى حجمه الكبير وتداعياته المتعددة على سوق الشغل والمالية العمومية.
فبينما يرى فيه البعض محركًا أساسيا للنمو ومصدرًا لتوفير فرص العمل في ظل محدودية فرص التشغيل في الاقتصاد الرسمي، يعتبره آخرون عائقًا أمام التنمية الاقتصادية بسبب تأثيره على الموارد الجبائية والمنافسة العادلة، فضلاً عن هشاشة أوضاع العاملين فيه لغياب أنظمة الحماية الاجتماعية.
وكشف تقرير حديث صادر عن المندوبية السامية للتخطيط عن تسجيل نمو لافت في معاملات هذا القطاع خلال الفترة ما بين 2014 و2023، بلغت نسبته 28,7 في المائة.
ويرى مختصون أن هذا التطور يعكس قدرة القطاع غير المهيكل على التكيف مع المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية، لكنه في المقابل يفرض تحديات متزايدة تستدعي وضع إستراتيجية شاملة لإدماجه تدريجيا في النسيج الاقتصادي المنظم، بما يضمن الاستفادة من إمكانياته ويحد من انعكاساته السلبية.
وفي هذا السياق، وجه رئيس الحكومة عزيز أخنوش، أمس الجمعة، المذكرة التوجيهية السنوية إلى الوزراء وكتاب الدولة والمندوبين الساميين والمندوب العام، محددا أولويات وأهداف مشروع قانون مالية سنة 2026، حيث خصّ ملف الاقتصاد غير المهيكل بحيز مهم.
وأكد أخنوش أن معالجة هذا الملف ستتم وفق مقاربة إرادية تستند إلى تبسيط المساطر، وإقرار التحفيزات، وضمان الولوج الشامل إلى الحماية الاجتماعية، مع اتخاذ تدابير جبائية تشجع على إدماج الوحدات غير المهيكلة في الدورة الاقتصادية الرسمية.
وأوضح رئيس الحكومة أن الخطة تشمل تعميم نظام المقاول الذاتي، وتوسيع الانخراط في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، وتشجيع ولوج الوحدات الصغيرة جدا إلى النظام البنكي، إضافة إلى رقمنة خدمات المواكبة وتعزيز دور المراكز الجهوية للاستثمار كحلقة وصل بين المبادرات المحلية وجهود الإدماج.
وتهدف هذه التدابير، وفق أخنوش، إلى الانتقال التدريجي نحو اقتصاد مهيكل أكثر قدرة على خلق القيمة المضافة وضمان العدالة الجبائية.
من جانبها، أشارت المندوبية السامية للتخطيط في بحث شامل في الموضوع إلى أن القطاع غير المهيكل يوفر 2,53 مليون منصب شغل، ما يمثل 33,1 في المائة من إجمالي التشغيل غير الفلاحي، وهو ما يعكس تراجعا قدره 3,2 نقاط مقارنة بسنة 2014، رغم الزيادة الصافية في عدد المناصب التي بلغت نحو 157 ألف وظيفة خلال الفترة ذاتها.
وكشف التقرير السابق عن تسجيل نمو لافت في معاملات هذا القطاع خلال الفترة ما بين 2014 و2023، بلغت نسبته 28,7 في المائة.
وأبرزت المندوبية أن هذا التشغيل يتركز بالأساس في قطاع التجارة بنسبة 44,1 في المائة، يليه قطاع الخدمات بنسبة 28,7 في المائة، ثم الصناعة بـ15 في المائة، وأخيرا البناء والأشغال العمومية بنسبة 12,2 في المائة.
وتفيد المعطيات أن 77,6 في المائة من العاملين في هذا القطاع يتمركزون في الوسط الحضري، حيث تحتل جهة الدار البيضاء – سطات الصدارة بنسبة 23,2 في المائة، تليها جهة مراكش – آسفي بنسبة 14 في المائة، ثم جهة الرباط – سلا – القنيطرة بنسبة 12,9 في المائة.
وتؤكد هذه الأرقام، وفق محللين، أن أي إصلاح يستهدف دمج القطاع غير المهيكل ينبغي أن يراعي التوزيع الجغرافي والقطاعي للعاملين فيه، مع توفير بدائل اقتصادية تضمن استمرارية النشاط في إطار منظم ومستدام.