"المنافسة" يدق ناقوس الخطر: سوق الخضر والفواكه بالمغرب في متاهة الوسطاء

الكاتب : عبد اللطيف حيدة

29 August 2025 - 05:00
الخط :

دق مجلس المنافسة ناقوس الخطر بشأن الوضعية المقلقة لسوق الخضر والفواكه في المغرب.
وحذر من اختلالات عميقة تحول دون استثمار الثروة الفلاحية الهائلة التي تزخر بها البلاد، وتعرقل بناء سوق شفاف وفعال يعود بالنفع على الفلاح والمستهلك معا.

ورسم المجلس خريطة دقيقة لما سماه بـ"التشوهات البنيوية" التي تطبع هذا القطاع، بدءا من هيمنة الوسطاء وهوامش الربح المتضخمة، وصولا إلى أسواق الجملة المتهالكة والمسالك الموازية غير المهيكلة.
وجاءت ملاحظات مجلس المنافسة ضمن في تقريره السنوي لسنة 2024.

متاهة الوسطاء.. 

وأكد التقرير أن المسالك التسويقية الطويلة وغير المباشرة تمثل العقدة المركزية في المنظومة، حيث يمر المنتوج الفلاحي عبر شبكة معقدة من الوسطاء، من سماسرة ومضاربين وتجار جملة ونصف جملة، قبل أن يصل إلى المستهلك النهائي.
هذه المتاهة، حسب مجلس المنافسة، تنتهي بنتيجتين خطيرتين، الأولى تتمثل في تضخم الأسعار، إذ كل وسيط يضيف هامش ربحه الخاص، ما يرفع الأسعار النهائية بشكل مصطنع وغير مبرر، فيما يحصل الفلاح المنتج على جزء ضئيل من القيمة الحقيقية لمحصوله.

والثاني يتمثل في انعدام الجودة والتتبع، حيث طول سلسلة التداول يجعل من المستحيل التحقق من مصدر المنتوج أو احترامه لمعايير السلامة، فضلا عن ارتفاع نسب التلف والهدر خلال النقل والتخزين.

في المقابل، لا تزال البدائل الحديثة، مثل المسالك القصيرة عبر المنصات الرقمية أو المساحات التجارية الكبرى، ضعيفة الحضور، وهو ما يرسخ هيمنة الطرق التقليدية غير الناجعة.

بنية تحتية متداعية

ووصف المجلس وضعية أسواق الجملة بـ"الحلقة الضعيفة" في السلسلة، حيث تعاني من غياب البنيات التحتية العصرية وضعف الخدمات اللوجستية، خصوصا مرافق التبريد والتنظيم والنظافة.
هذا الضعف يدفع العديد من المنتجين والتجار إلى هجر القنوات الرسمية نحو أسواق موازية عشوائية تنشط بقوة في ضواحي المدن الكبرى كالدار البيضاء، حيث تباع الخضر والفواكه خارج أي إطار قانوني أو ضريبي، مما يخلق منافسة غير متكافئة ويصعب على الدولة ضبط الأسعار ومراقبة الجودة.

ممارسات مجحفة

ولم يتوقف التقرير عند إشكاليات البنية، بل رصد أيضا ممارسات تثقل كاهل الفلاحين الصغار، من بينها البيع قبل الجني بأسعار بخسة تضعهم تحت رحمة المضاربين، وضعف الولوج إلى التمويل والتأمين الفلاحي، ما يحد من قدرتهم على مواجهة المخاطر المناخية أو تحديث أساليب الإنتاج، وغياب هيكلة شاملة للسلسلة، بما يجعل تعقب المنتجات ورصد الأموال المتداولة أمرا شبه مستحيل.

خارطة طريق للإصلاح

ولم يكتف مجلس المنافسة بالتشخيص، بل قدم جملة من التوصيات الاستراتيجية لإعادة الاعتبار لهذا القطاع الحيوي، أهمها تحديث الإطار القانوني، وإصلاح مؤسسة الوكلاء أو إلغاؤها، وتوضيح الوضعية القانونية لتجار الجملة.

ودعا إلى إعادة هيكلة أسواق الجملة وتقليص عددها، وتحويلها إلى منصات لوجستية عصرية مجهزة بالتبريد والتعبئة والتثمين.

وشدد المصدر على ضرورة تشجيع التعاقد بين المنتجين والموزعين، ودعم التعاونيات، وإحداث منتجات بنكية وتأمينية موجهة للفلاحين.

ونبه ذات المصدر إلى ضرورة إرساء نظام معلومات مندمج يوفر معطيات آنية وشفافة حول الأسعار والكميات، وتشجيع الشركات الناشئة في مجال التكنولوجيا الزراعية.

ولفت مجلس المنافسة إلى ضرورة عصرنة أسواق القرب، وتشجيع المسالك القصيرة لضمان أسعار عادلة ومنتجات طازجة، مع حماية القدرة الشرائية للمواطنين.

 حلول ترقيعية

وختم المجلس تقريره بالتشديد على أن الإصلاح المنشود لا يمكن أن يتحقق عبر إجراءات معزولة، بل يتطلب رؤية شمولية لإعادة الثقة في السوق، وضمان توزيع عادل للقيمة المضافة بين الفلاحين والمستهلكين، في أفق تعزيز الأمن الغذائي للمغرب وحماية القدرة الشرائية للأسر.

آخر الأخبار