غاز البوتان تحت المجهر.. أرقام الاستيراد والدعم تعيد ملف المقاصة إلى دائرة الجدل
لا يزال ملف قنينات غاز البوتان يثير الجدل في المملكة، منذ أن أعلنت الحكومة قبل أزيد من سنة عن رفع أسعارها بشكل جزئي، في خطوة بررتها بضرورة تقليص تكاليف صندوق المقاصة وتوفير موارد إضافية لتمويل مشاريع الحماية الاجتماعية.
غير أن هذا القرار أعاد النقاش اليوم في أوساط المعارضة البرلمانية حول مدى وجاهة الإصلاحات المرتبطة بالدعم العمومي، وحول انعكاساتها المباشرة على القدرة الشرائية للمواطنين، خاصة في ظل سياق اقتصادي يتسم بغلاء متواصل في أسعار عدد من المواد الأساسية.
ويتمحور النقاش حول أسئلة متعددة تتعلق بالكمية الحقيقية من الغاز المستورد وما إذا كانت تتناسب مع المبالغ الضخمة التي يخصصها صندوق المقاصة سنوياً، إضافة إلى متوسط سعر الاستيراد في السوق الدولية وكيفية انعكاسه على الأسعار المطبقة وطنياً.
كما يثير الملف علامات استفهام بشأن هوامش ربح الشركات الفاعلة في القطاع، وحكامة المنافسة في سوق يعد من بين الأكثر استراتيجية بالنسبة للأسر والقطاعات الاقتصادية على حد سواء.
وفي هذا الصدد، طرح النائب البرلماني رشيد حموني، عن فريق التقدم والاشتراكية، سؤالاً كتابياً إلى وزارة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة، بشأن تداعيات الزيادة المعلنة في أسعار هذه المادة الحيوية، وما يرتبط بذلك من إشكالات حول حكامة السوق وشفافية الدعم العمومي الموجه إليها عبر صندوق المقاصة.
وأكد النائب البرلماني رشيد حموني في معرض سؤاله أن القرار الحكومي يكشف عجزاً في إيجاد بدائل تمويلية مبتكرة للمشاريع الاجتماعية دون المساس بالمستهلكين، معتبراً أن الزيادة المقررة شملت الجميع، ولم تستهدف فقط كبار المستغلين للدعم العمومي، ما يجعل انعكاساتها أكبر على الشرائح الفقيرة.
واستحضر حموني في هذا الإطار أرقاماً لافتة، إذ إن المغرب أصبح من أكبر الأسواق العالمية لاستهلاك غاز البوتان، حيث تضاعف حجم الاستهلاك ثلاث مرات منذ بداية الألفية الثالثة. فقد بلغت واردات المملكة 2.78 مليون طن سنة 2022، جلها من الولايات المتحدة وأوروبا، كما جرى استهلاك أكثر من 227 مليون قنينة من فئة 12 كلغ في العام ذاته.
ويثير الملف أسئلة دقيقة حول حجم الدعم العمومي وآليات تدبيره، خصوصاً أن حصة دعم البوتان بلغت في سنة 2022 حوالي 1.6 في المائة من الناتج الداخلي الخام و5.8 في المائة من ميزانية الدولة، بينما وصل متوسط دعم القنينة الواحدة إلى 68 درهماً في 2023، حسب ما أكده الحموني.
وقد توسع سؤال النائب البرلماني ليشمل تساؤلات حول عدد الفاعلين الأساسيين في مجال الاستيراد والتوزيع والتعبئة، وحول مدى وجود منافسة فعلية في السوق، وأيضاً بشأن المبالغ التي تجنيها الشركات من صندوق المقاصة، فضلاً عن علاقة الكميات المستوردة فعلياً بالمبالغ المخصصة للدعم، ومتوسط سعر الاستيراد، وطريقة انعكاس انخفاض الأسعار الدولية على السوق الوطنية.
كما توقف عند هوامش ربح الشركات الوطنية، والتأثيرات المباشرة لقرار الزيادة على الأسعار النهائية للمواد والخدمات المرتبطة بالبوتان، من قبيل الفلاحة والمخبوزات والفنادق والمطاعم والمقاهي.
في المقابل، كانت وزيرة الاقتصاد والمالية نادية فتاح العلوي قد أوضحت مؤخرا في جواب كتابي أن المغرب لا يعرف منافسة عبر الأسعار في سوق البوتان، بالنظر إلى أن الدولة تقنن سعر القنينة وتضمن استقرارها، حيث لم يطرأ أي تغيير على أثمنتها منذ 1990 رغم التحولات العميقة في السوق الدولية.
وأشارت الوزيرة إلى أن صندوق المقاصة يتحمل عبء الفارق بين السعر الحقيقي وتكلفة البيع للمستهلك، وأن مستوى الدعم يصل أحياناً إلى أكثر من 200 في المائة من السعر المطبق، ما يعكس حجم المجهودات المالية التي تتحملها الدولة للحفاظ على الاستقرار الاجتماعي.
ووفق المعطيات الرسمية، يشرف على استيراد غاز البوتان بالمغرب نحو 15 فاعلاً، فيما تتقاسم شركات التوزيع 38 مركزاً للتعبئة موزعة عبر التراب الوطني. كما يتم تخزين المادة في ست محطات رئيسية متواجدة بأهم الموانئ، ما يعكس البنية المتشعبة للسوق. وأظهرت الأرقام أن الكميات المستوردة في 2022 بلغت 2.68 مليون طن، في حين دعم صندوق المقاصة استهلاك 2.72 مليون طن، وهو فارق تكرر سنة 2023 حيث استوردت البلاد 2.76 مليون طن مقابل دعم استهلاك 2.80 مليون طن.
أما بخصوص صرف الدعم، فقد أكدت الوزيرة أن العملية تتم وفق مساطر دقيقة، تعتمد على وثائق ومعطيات متقاطعة يتم التحقق منها عبر مصالح مختلفة كالجمارك، تحت إشراف لجنة مشتركة تتابع بانتظام تركيبة الأسعار وتعمل على ملاءمتها مع واقع السوق كلما دعت الحاجة.
وتحدد أسعار البيع، حسب جواب الوزيرة، استناداً إلى تركيبة وزارية تشمل جميع المكونات من الاستيراد إلى التخزين والتوزيع، فيما تبقى هوامش ربح الشركات مقننة ولم يتم تحيينها منذ سنوات، ما يجعل النقاش حول عدالة البنية السعرية وحدود الاستفادة من الدعم مطروحاً بإلحاح.
وبينما تسعى الحكومة إلى تقليص الضغط على ميزانية الدولة عبر تخفيف أعباء صندوق المقاصة، يبقى التحدي الأكبر هو كيفية تحقيق ذلك دون تحميل المواطن كلفة إضافية، خصوصاً أن البوتان ليس مجرد مادة استهلاكية، بل عنصر أساسي في الحياة اليومية والأنشطة الاقتصادية لملايين الأسر.