بين رهانات التنمية وتحديات الإنصاف… هل يحقق "المحج الملكي" وعوده للبيضاويين؟

الكاتب : انس شريد

02 سبتمبر 2025 - 09:30
الخط :

شهدت قاعة الاجتماعات بمجلس جماعة الدار البيضاء اليوم الثلاثاء لحظة فارقة في مسار العاصمة الاقتصادية، بعدما صادق الأعضاء بأغلبية ساحقة على اتفاقية شراكة مع صندوق الإيداع والتدبير من أجل إعادة إطلاق مشروع "المحج الملكي"، الذي ظل حبيس الرفوف لعقود طويلة رغم مكانته الاستراتيجية في المخطط العمراني للمدينة.

القرار حظي بتأييد 91 عضواً، مقابل رفض وحيد، ليؤشر بذلك على تحول كبير في مسار هذا الورش الذي يعود إلى عهد الملك الراحل الحسن الثاني، ولم يكتب له أن يرى النور إلا بعد سلسلة من العراقيل والتأجيلات.

وتشكل الاتفاقية التي تمت المصادقة عليها، خطوة تأسيسية لإخراج المشروع من حالة الجمود، إذ تقضي بتفويت شركة "صوناداك" للأصول العقارية المرتبطة بالمحج الملكي لفائدة جماعة الدار البيضاء بدون مقابل، مع نقل كافة المهام التنفيذية لشركة "الدار البيضاء للإسكان والتجهيز".

وتشمل هذه المهام ملفات معقدة مثل إعادة إيواء السكان المتضررين، وتعويضهم، وتحرير العقارات، إلى جانب تنفيذ أشغال الهدم وتشييد حديقة حضرية كبرى ستكون متنفساً جديداً لساكنة العاصمة الاقتصادية.

وتتضمن الاتفاقية أيضاً تفويت عدد من العقارات الاستراتيجية إلى الجماعة، من بينها سوق لقريعة وسوق العيون وأرض بشار الخير والأراضي المخصصة للتجهيزات العمومية في النسيم وإيسلان، إضافة إلى وعاء عقاري على الكورنيش الجديد، وهو ما اعتبرته العمدة نبيلة الرميلي فرصة تاريخية لتمكين المجلس من إطلاق مشاريع حضرية وتنموية في أحياء لم تكن تدبيرها بالأمر السهل.

وخلال مداخلتها، أكدت نبيلة الرميلي أن المشروع يشكل علامة فارقة في مسار الدار البيضاء، ليس فقط لأنه سيعيد الاعتبار إلى المدينة القديمة وما جاورها، بل لأنه سيجعل العاصمة الاقتصادية في مصاف كبريات المدن العالمية من حيث البنية الحضرية والفضاءات العامة.

وأوضحت أن الاتفاقية تمثل تتويجاً لمسار طويل من المشاورات بين مختلف المتدخلين، وأنها ستضمن إعادة إسكان الأسر القاطنة بالمدينة القديمة في حي النسيم، الذي سيخضع بدوره لعملية تطوير متكاملة، مشيرة إلى أن الأثر الإيجابي للمشروع سيمتد إلى أحياء واسعة تشمل الحي المحمدي ودرب السلطان والحي الحسني.

من جانبه، وصف عبد الصادق مرشد، نائب العمدة عن الأغلبية، المصادقة على الاتفاقية باللحظة التاريخية، معتبراً أن الأمر يتعلق بأكثر من مجرد ورش عمراني، بل بمشروع هيكلي يعكس الإرادة السياسية لإعادة الثقة في قدرة المؤسسات على إنجاز مشاريع كبرى بجودة عالية وفي آجال محددة.

وأكد أن المشروع يقوم على جدول زمني مضبوط يمتد لخمس سنوات، بما يضمن تفادي أي تعثرات جديدة كتلك التي عرفتها مشاريع سابقة في المدينة، مشدداً على أن البعد الاجتماعي يمثل جوهر هذا الورش، من خلال توفير سكن لائق للأسر المتضررة وصيانة حقوقها.

غير أن هذه الأجواء الإيجابية لم تحجب بعض الملاحظات والتحفظات التي عبرت عنها المعارضة، خاصة فريق العدالة والتنمية، الذي رغم إعلانه دعم المشروع، دعا إلى ضرورة معالجة مخاطر خلق فوارق مجالية بين أحياء الدار البيضاء.

وأكد عبد الصمد حيكر، رئيس الفريق، أن نجاح أي مشروع ضخم لا يقاس فقط بضخامته الاستثمارية أو جماليته العمرانية، بل بمدى قدرته على ضمان العدالة المجالية وتحقيق كرامة الساكنة.

وطالب بتوضيحات دقيقة بشأن تفاصيل الكلفة المالية للمشروع، خاصة ما يرتبط بملف إعادة الإسكان والتعويضات، مشددا على ضرورة حماية الحرفيين وأصحاب الأنشطة الصغيرة من التبعات السلبية لعمليات الترحيل والهدم.

بدوره، دعا المستشار مصطفى الحيا إلى إعداد تصميم تهيئة شامل من طرف الوكالة الحضرية لتفادي أي تعثرات مستقبلية، مشدداً على ضرورة الإسراع في إعادة إسكان الأسر المتضررة من عمليات الهدم التي طالت أجزاء من المدينة القديمة.

وبينما تراهن الأغلبية على أن "المحج الملكي" سيكون قاطرة جديدة للتنمية الاقتصادية والتجارية والسياحية بالدار البيضاء، تتمسك المعارضة بضرورة ضمان مقاربة اجتماعية عادلة تراعي الفئات الهشة وتحول دون تعميق الفوارق بين الأحياء.

وبذلك، يبدو أن المشروع يدخل مرحلة حاسمة من مساره، بعدما ظل حلماً مؤجلاً لسنوات، في انتظار أن تكشف السنوات المقبلة عن مدى قدرة العاصمة الاقتصادية على تحويل هذا الورش إلى علامة عمرانية وإنسانية فارقة في تاريخها الحديث.

آخر الأخبار