مراجعة سقف المعاشات تضع الحكومة أمام امتحان صعب
عاد النقاش حول أنظمة التقاعد في المغرب إلى واجهة الساحة السياسية والاجتماعية، بعدما طالبت عدد من الأحزاب السياسية بمراجعة الصيغة الحالية المعتمدة لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي في احتساب معاشات التقاعد.
ووجهت النائبة البرلمانية فاطمة الكشوتي، عن الفريق الحركي بمجلس النواب، سؤالا كتابيا، أكدت من خلاله أن هذه الصيغة لا تواكب تطور الأجور ولا تراعي الارتفاع المطرد في تكاليف المعيشة، معتبرة أن السقف المحدد للمعاشات يظل بعيدا عن مستوى الانتظارات.
وأوضحت النائبة البرلمانية أن النظام المعمول به حاليا يرتكز على احتساب 50 في المائة من الأجر المرجعي عند بلوغ مدة تأمين تصل إلى 3240 يوما، مع إضافة 1 في المائة عن كل 216 يوما إضافيا، في حدود 70 في المائة كحد أقصى.
غير أن الأجر المرجعي، حسب المسؤولة الذي يعتمده الصندوق لا يتجاوز 6000 درهم، مما يجعل سقف المعاش محددا في 4200 درهم شهريا، حتى بالنسبة للأجراء ذوي الأجور المرتفعة أو الذين قضوا فترات تأمين أطول.
واعتبرت أن هذا الوضع يؤدي إلى فجوة واسعة بين مستوى الدخل أثناء فترة العمل والمعاش الذي يحصل عليه المتقاعد، وهو ما يفاقم الضغوط الاجتماعية على فئة واسعة من المواطنين.
في هذا السياق، تساءلت الكشوتي عن نوايا الحكومة بخصوص مراجعة هذا السقف، ورفع النسبة الأساسية لاحتساب المعاش بما ينسجم مع الحد الأدنى للأجور المطبق وطنيا، مع التأكيد على ضرورة إقرار آلية لمراجعة دورية تضمن مواكبة التغيرات الاقتصادية والاجتماعية.
كما دعت إلى التفكير في حلول واقعية من شأنها حماية القدرة الشرائية للمتقاعدين وتعزيز العدالة داخل المنظومة.
الجدل الذي أثارته هذه المبادرة البرلمانية يأتي في وقت تستعد فيه وزارة الاقتصاد والمالية لعقد اجتماع حاسم يوم 18 شتنبر الجاري بالرباط، سيجمع ممثلين عن الحكومة والمركزيات النقابية والفاعلين الاقتصاديين، في إطار المشاورات الرامية إلى إطلاق إصلاح شامل لأنظمة التقاعد.
هذا الورش الذي ظل مطروحا منذ سنوات يعتبر من أبرز التحديات الاجتماعية التي تواجهها البلاد، لاسيما بعدما أظهرت تقارير رسمية أن بعض الصناديق مهددة بالعجز الكامل إذا استمرت الآليات الحالية دون تدخل هيكلي.
ويؤكد متابعون أن المغرب يوجد اليوم أمام منعطف حاسم، إذ لم يعد ممكنا تأجيل إصلاح أنظمة التقاعد في ظل الضغوط المالية والديمغرافية، إلى جانب التفاوت الكبير بين مساهمات الأجراء والامتيازات الممنوحة لهم عند بلوغ سن التقاعد.
وتبقى المعضلة الأساسية مرتبطة بكيفية توزيع كلفة الإصلاح بين الدولة والمشغلين والأجراء، في وقت تختلف فيه مقاربات الأطراف المعنية حول المسؤوليات والأولويات.
المشاورات الأخيرة التي قادتها وزارة الاقتصاد والمالية مع النقابات الأكثر تمثيلية شكلت أرضية أولية للقاء المرتقب، حيث جرى التوافق على ضرورة مقاربة شاملة تعالج جذور الاختلالات البنيوية التي تعاني منها المنظومة.
غير أن التباين في المواقف ما زال قائما، خصوصا بعدما أعلنت بعض المركزيات النقابية، وعلى رأسها الاتحاد المغربي للشغل، رفضها لأي مقاربة تقنية تقتصر على التوازنات المالية للصناديق دون الالتفات إلى الوضعية الاجتماعية للمتقاعدين.
وشددت النقابات على ضرورة إدراج مسألة الزيادة في معاشات المتقاعدين الحاليين، المجمدة منذ أكثر من عقدين، ضمن أولويات النقاش، معتبرة أن أي إصلاح لا يأخذ هذا الجانب بعين الاعتبار سيصطدم برفض واسع.
كما حملت مسؤولية الوضع الراهن للدولة، معتبرة أن تحميل الأجراء كلفة الإصلاح يشكل خيارا غير عادل ولا ينسجم مع مبادئ العدالة الاجتماعية.
في المقابل، تؤكد الحكومة أن الإصلاح لن يتم بشكل أحادي، بل في إطار مشاورات واسعة تستحضر التوجيهات الملكية التي دعت إلى إقامة نظام تقاعد عادل ومنصف يعزز التضامن بين الأجيال ويوفر حماية اجتماعية شاملة. وتشير مصادر حكومية إلى أن الهدف هو إرساء منظومة مستدامة تراعي التوازنات المالية وتستجيب في الآن نفسه لانتظارات الأجراء والمتقاعدين.
هذا النقاش المحتدم يعكس حجم التحدي الذي يواجهه المغرب في هذا الملف المعقد، إذ يجمع بين أبعاد مالية واقتصادية واجتماعية.
وبينما يترقب الرأي العام ما ستسفر عنه المشاورات المقبلة، يبقى مستقبل الإصلاح رهينا بقدرة الأطراف المعنية على التوصل إلى صيغة توافقية تحقق التوازن بين ضرورة حماية الصناديق وضمان كرامة المتقاعدين.