بين إشادة الوزارة وانتقادات الفاعلين.. جدل مدارس الريادة يعود إلى الواجهة

الكاتب : انس شريد

08 September 2025 - 10:00
الخط :

عاد مشروع “مدارس الريادة” ليشغل النقاش العمومي بالمغرب بعد مرور موسمين دراسيين على إطلاقه، في ظل تباين المواقف بين من يرى فيه خطوة نوعية لإصلاح المدرسة العمومية، وبين من يعتبره مجرد تجربة محدودة قد تُعمّق الفوارق التعليمية بدل الحد منها.

وبين الأرقام الرسمية والتصريحات المثيرة للجدل، يظل سؤال النجاعة والاستمرارية مطروحاً بإلحاح على صناع القرار التربوي.

وتفجر الجدل من جديد عقب تصريح أدلت به وفاء شاكر، مديرة الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين بجهة طنجة–تطوان–الحسيمة، خلال مشاركتها في برنامج تلفزيوني على قناة “ميدي 1 تيفي”، حين قالت إن “تلميذاً واحداً في مدارس الريادة يعادل في مستواه ثمانين تلميذاً في المدارس غير المنخرطة في المشروع”.

تصريح اعتبرته فعاليات تربوية “صدمة حقيقية” لما يحمله من إسقاطات رمزية تعكس اختلالاً واضحاً في مبدأ تكافؤ الفرص داخل المدرسة المغربية، فضلاً عن افتقاره إلى أي مرجعية علمية أو بيداغوجية يمكن أن تبرره.

وشدد عدد من المهتمين بالشأن التربوي على أن تقييم أثر أي تجربة إصلاحية لا يُختزل في أرقام دعائية أو مقارنات مبسطة، بل يخضع لمؤشرات دقيقة مثل نسب النجاح، ونتائج اختبارات الكفايات، وتقارير التقييم الدولية على غرار “بيزا”، إضافة إلى مقاييس جودة التعلمات الأساسية.

وانتقدت الأصوات ذاتها ما وصفته بالخطاب التسويقي الذي يرافق المشروع، معتبرة أنه يُبعد النقاش عن جوهر القضية المرتبطة بجودة التعليم وتكافؤ الفرص.

في السياق ذاته، دقت البرلمانية قلوب فيطح، عضو فريق الأصالة والمعاصرة بمجلس النواب، ناقوس الخطر، محذرة من أن اقتصار تجربة الريادة على عدد محدود من المؤسسات التعليمية يعمّق الفوارق الاجتماعية والمجالية بين المتعلمين.

واستحضرت النائبة البرلمانية مضامين الخطاب الملكي الأخير، الذي دعا إلى مضاعفة الجهود للنهوض بالمدرسة العمومية وضمان تعليم منصف يواكب حاجيات المجتمع.

وأكدت أن تعميم نموذج “مدارس الريادة” بشكل عاجل يمثل إحدى الأدوات الأساسية لتحقيق هذه الغاية، شريطة أن يتم ذلك وفق رؤية متكاملة تراعي العدالة والإنصاف.

وأضافت فيطح أن المعطيات التي كشفت عنها مديرة الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين بجهة طنجة- تطوان- الحسيمة، في برنامج بث على قناة Medi1 TV، تطرح سؤال العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص بين جميع المتعلمين، مشددة على أن الفصل 31 من دستور المملكة ينص على الحق في تعليم عصري ميسر الولوج وذي جودة، محذرة من أن حصر الاستفادة على مؤسستين في كل مديرية يوسع فجوة التفاوتات.

وطالبت النائبة البرلمانية في معرض سؤالها الكتابي من وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة بالكشف عن التدابير والإجراءات العملية لتعميم هذا النموذج على جميع المدارس العمومية وبمختلف المستويات الدراسية.

في المقابل، تشير الأرقام الرسمية الصادرة عن وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة إلى أن المشروع يعرف توسعاً متواصلاً.

وأعلنت الوزارة في بلاغها، بمناسبة الدخول المدرسي الجديد، أن 2554 مؤسسة جديدة التحقت هذا الموسم ببرنامج “مدارس الريادة”، ليرتفع العدد الإجمالي للمؤسسات الابتدائية المنخرطة إلى 4626، أي بزيادة تقارب 2000 مؤسسة مقارنة بالسنة الماضية.

ويشرف على هذه المؤسسات أكثر من 75 ألف أستاذ وأستاذة، مقابل 43 ألفاً في الموسم السابق، فيما بلغ عدد التلاميذ المنخرطين قرابة مليوني متعلم، أي بزيادة تناهز 640 ألفاً عن السنة الفارطة.

أما على مستوى التعليم الإعدادي، فقد بلغ عدد الإعداديات المنخرطة 786 مؤسسة خلال الموسم الحالي، بزيادة 554 مؤسسة عن السنة الماضية، حيث يتابع بها الدراسة أزيد من 677 ألف تلميذ وتلميذة، وهو ما يمثل ارتفاعاً لافتاً يناهز نصف مليون متعلم إضافي في ظرف سنة واحدة.

وأشارت الوزارة إلى أنها وفرت لهذه المؤسسات المعدات والتجهيزات اللازمة لضمان ظروف عمل ملائمة للأطر التربوية، بما يتيح تنزيل المشروع في بيئة تواكب متطلبات التكوين العصري.

وبينما تواصل الوزارة الدفاع عن حصيلة المشروع بالأرقام التي تصفها بـ”المشجعة”، حيث أظهرت المؤشرات الأولية تحسناً ملحوظاً في التعلمات الأساسية بنسبة 30 في المئة في مادة الفرنسية و28 في المئة في الرياضيات و22 في المئة في اللغة العربية، لا يزال جزء واسع من الفاعلين التربويين والسياسيين يطالبون بضمانات أوضح حول كيفية استدامة هذه النتائج، ومدى قدرة “مدارس الريادة” على إحداث تحول عميق في المنظومة التعليمية، بعيداً عن التجارب الجزئية التي قد تزيد من اتساع فجوة التفاوتات بين التلاميذ.

وهكذا، يجد مشروع الريادة نفسه مجدداً في قلب نقاش وطني محتدم، تتقاطع فيه رهانات الإصلاح مع تحديات العدالة الاجتماعية، وتنتظر نتائجه الحقيقية اختبارات الزمن وقدرته على تجاوز حدود التجريب إلى بناء مدرسة عمومية منصفة وجامعة لكل أبناء المغرب.

آخر الأخبار