تضارب أرقام القطيع الوطني وارتفاع الديون.. مستقبل تربية الماشية يثير الجدل
يشهد ملف تربية الماشية في المغرب جدلاً متصاعداً بعد الإعلان الرسمي عن نتائج الإحصاء الوطني الأخير، الذي كشف عن وجود 32.8 مليون رأس ماشية، في وقت اعتبر فيه مهنيون ونقابات أن الأرقام تعكس تضارباً يثير الشكوك حول دقة المعطيات المعتمدة.
هذا الجدل فتح الباب أمام مطالب برلمانية ونقابية ملحّة لإعادة تقييم السياسات العمومية الموجهة للقطاع وضمان عدالة توزيع الدعم الحكومي.
ففي الوقت الذي أعلنت فيه وزارة الفلاحة أن القطيع الوطني عرف ولادات جديدة عززت العرض الوطني من اللحوم الحمراء، شددت نقابات مهنية على أن المعطيات الرسمية لا تنسجم مع ما تم الإعلان عنه قبل أشهر قليلة، مشيرة إلى أن غياب إحصائيات دقيقة يفقد برامج إعادة تشكيل القطيع المصداقية، ويجعلها رهينة أرقام متناقضة لا تعكس الواقع الميداني الذي يعيشه مربو الماشية.
وبينما تؤكد الحكومة أن الإجراءات المتخذة، مثل وقف ذبح الأضاحي خلال العيد الماضي، ساعدت في الحفاظ على ملايين الرؤوس، يرى مربون أن الأزمة الحقيقية تكمن في ارتفاع أسعار الأعلاف وتفاقم آثار الجفاف المتتالي، وهو ما جعل عدداً كبيراً من الفلاحين الصغار في مواجهة مباشرة مع ضغوط مالية خانقة.
وقد اضطر بعضهم إلى بيع قطعانهم أو التخلي عن المهنة، في ظل انتظار طويل للدعم الحكومي الذي لم يصرف بعد.
وعبرت النقابة الوطنية للفلاحين المنضوية تحت لواء الاتحاد المغربي للشغل، مؤخرا بدورها عن استغرابها مما وصفته بـ"الاستقرار الغريب" في أعداد الإبل مقابل "تراجع مقلق" في أعداد الأبقار، معتبرة أن البرامج التي أطلقت منذ سنة 2008 بكلفة مالية ضخمة لم تحقق الأهداف المرسومة.
كما نبهت إلى أن عملية الإحصاء الأخيرة لم تشمل المربين الذين فقدوا قطعانهم بسبب سنوات الجفاف، ما يعني حرمانهم من الاستفادة من الدعم رغم خبرتهم التي تشكل قيمة وطنية.
وفي خضم هذه الانتقادات، تقدم رشيد حموني، رئيس الفريق النيابي لحزب التقدم والاشتراكية، بمراسلة إلى رئيس لجنة القطاعات الإنتاجية بمجلس النواب، استفسر فيه عن الأسباب التي أدت إلى تضارب الأرقام الرسمية بشأن القطيع الوطني، وعن التدابير التي تعتزم الحكومة اتخاذها لتفادي تكرار نفس الاختلالات وضمان عدالة توزيع الدعم بين مختلف فئات المربين.
كما دعا حموني إلى عقد اجتماع عاجل داخل لجنة القطاعات الإنتاجية بمجلس النواب لمناقشة البرنامج الجديد، مع التشديد على ضرورة اعتماد معايير شفافة ومنصفة تضع في صلب اهتماماتها إنصاف الكسابين الصغار، الذين يشكلون 95 في المائة من المربين.
كما لفتت المراسلة إلى أن القرارات الحكومية الأخيرة بشأن وقف الإعفاءات الجمركية والضريبية على استيراد الأغنام والماعز، مع استثناء الأبقار، تفرض بدورها نقاشا مؤسساتيا واسعا حول انعكاساتها المباشرة على السوق الوطنية.
وأكد فريق التقدم والاشتراكية أن الهدف من عقد هذا الاجتماع هو ضمان أن ينعكس برنامج الدعم الجديد إيجابا على أسعار اللحوم عند الاستهلاك، وعلى إعادة تكوين القطيع الوطني، مع اعتماد معايير شفافة ومنصفة تركز على إنصاف الكسابين الصغار، الذين غالباً ما كانوا أكبر المتضررين من البرامج السابقة.
كما طالبت النقابات بإخضاع عملية توزيع الأعلاف لمراقبة صارمة لتفادي أي استغلال انتخابي، والتأكد من مطابقة الأعلاف المركبة للمعايير الدولية، فضلاً عن تعزيز عدد الأطباء والتقنيين البيطريين والمرشدين الفلاحيين لمواكبة الإصلاحات ميدانياً.
وحذرت من أن تأجيل صرف الدعم المباشر إلى غاية يونيو 2026 سيشكل خطراً حقيقياً على مصير البرنامج، في وقت يعيش فيه المربون حالة من العجز المالي المتفاقم.
ورغم تأكيد وزارة الفلاحة على أن القطيع الوطني يتعزز تدريجياً بولادات جديدة تناهز تسعة ملايين رأس خلال الأشهر الماضية، فإن النقابات والمهنيين يصرون على أن الأرقام الرقمية وحدها لا تكفي لإقناع الميدان، ما لم ترافقها رؤية اجتماعية تحمي صغار المربين وتؤمن لهم شروط الاستمرارية.
وبين خطاب رسمي متفائل وتحذيرات مهنية تنذر بانهيار أوضاع الكسابة، يبقى مستقبل القطيع الوطني معلقاً على قرارات قد تحدد مصير واحد من أهم ركائز الأمن الغذائي للمغاربة.