بنكيران.. و”البيعة” التي تتبخر في الدوحة
مرة أخرى، يخرج علينا السيد عبد الإله بنكيران بخطاب ناري لا يقل حرارة عن جلسات شاي بالنعناع، معلناً – بكل جدية لا تخلو من دراما – أنه لم يعد يستبعد أن تقوم إسرائيل بقصف مقر حزبه! سبحان الله… وكأن الموساد استيقظ صباحاً وقال: “يا جماعة، انسوا طهران وحماس وغزة، الهدف اليوم هو العدالة والتنمية في حي الليمون بالرباط!”.
لكن بنكيران لا يقف عند حدود الخيال السياسي، بل يتجاوزها إلى فقه البيعة. فهو يهدد الحكام العرب: إذا لم تحمونا من إسرائيل، فـ”ما بقات بيعة”. والسؤال البريء هنا: هل كان بنكيران يوجّه خطابه لشعب قطر، أم لشعب المغرب، أم للشعوب العربية كلها في بث مباشر؟ أم أنه مجرد “ضرب تحت الحزام” لتمهيد المزايدة على بيعة ملك البلاد؟
والأطرف من ذلك أن الرجل يطالب بقصف دبلوماسي: قطع علاقات، استدعاء سفراء، وإلقاء خطابات بطولية… طبعاً دون حرب، لأنه – كما يعرف الجميع – “الحرب مسؤولية ثقيلة”، أما المزايدة فهي خفيفة مثل نكتة على مائدة الكسكس يوم الجمعة.
الحقيقة أن هذه الموجة من التصريحات لا تبدو سوى محاولة لإعادة إنعاش رصيد حزبي في سوق الانتخابات، بعد أن جفّت ينابيع الخطاب الأخلاقي، وتآكلت شعارات “محاربة الفساد والشياطين والتماسيح ”، ولم يبق إلا ورقة “البيعة المهددة بالقصف”.
فإسرائيل، يا سي بنكيران، لا تنتظر إذناً منك ولا من قطر ولا حتى من امريكا ولا من أي أحد لتضرب متى شاءت، لكنها بالتأكيد لن تُكلّف نفسها عناء إرسال طائراتها لتفجير مقر حزب العدالة والتنمية الذي فقد بريقه وانفضح وصار يبحث عن “جرعة أكسجين” انتخابية في خردة الشعارات القديمة.
بقي أن نسأل: هل البيعة اليوم تُقطع بالسكين في مؤتمرات حزبية، أم تُنزع بالتصريحات العاطفية أمام ميكروفونات الصحافة؟ على كل حال، بنكيران أثبت لنا مرة أخرى أن السياسة عنده ليست سوى مسرحية طويلة، والجمهور – كل مرة – يُفاجأ بأن البطل يرفع صوته أكثر مما يرفع رصيده.