هل يغير جيل "Z" موازين القوى في السياسة المغربية؟

الكاتب : انس شريد

29 سبتمبر 2025 - 09:30
الخط :

خرج مئات الشبان في عدد من المدن المغربية خلال اليومين الأخيرين في احتجاجات سلمية متفرقة، قادها جيل جديد من الناشطين يعتمد في تحركاته على فضاءات التواصل الرقمي بدل الأطر الحزبية أو النقابية التقليدية، ما منح هذه التعبيرات طابعًا مختلفًا عن أنماط الاحتجاج المعتادة.

ورفع المحتجون شعارات اجتماعية متنوعة، من أبرزها المطالبة بضمان الحق في التعليم والصحة والشغل، إضافة إلى محاربة الفساد وتحسين الخدمات العمومية، في مشهد أثار اهتمام الرأي العام وفتح نقاشا واسعا حول طبيعة هذا الحراك الجديد.

هذا التحرك الشبابي المفاجئ سلط الضوء على موقع الأجيال الصاعدة في الخريطة السياسية المغربية، وأعاد إلى الواجهة سؤال قدرة الأحزاب على استيعاب مطالب الشارع والتجاوب مع التحولات الاجتماعية المتسارعة.

كما دفع مراقبين وخبراء إلى التحذير من استمرار الهوة بين الفاعلين السياسيين والشباب، معتبرين أن هذه الدينامية تعكس فراغا سياسيا متناميا، قد يفرض على الدولة والأحزاب معا إعادة التفكير في آليات الوساطة التقليدية وإيجاد صيغ جديدة للتواصل مع جيل يرفض الانخراط في القوالب القديمة.

وتفاعل الفاعلون السياسيون والخبراء مع هذه الدينامية الجديدة بشكل مكثف، سواء عبر تدوينات على مواقع التواصل الاجتماعي أو في تصريحات إعلامية، مؤكدين إعادة بناء العلاقة بين الأجيال الصاعدة والأحزاب السياسية باتت مسألة ملحة لتفادي مزيد من العزوف الانتخابي وإعادة الاعتبار للوساطة السياسية.

فاطمة التامني، عن حزب فيدرالية اليسار، لم تخف حدة انتقادها للوضع، معتبرة أن "الشباب يغلي والحكومة تفضل صمت القبور"، مضيفة أن استمرار هذا التجاهل من طرف السلطة التنفيذية يضعها خارج السياق الاجتماعي والسياسي.

وشددت التامني على أن لحظة التغيير قد حانت، وأن الاحتجاجات الأخيرة تحمل مؤشرات على بداية إعادة تشكيل للخريطة السياسية.

كما شهدت الوقفة الاحتجاجية الأخيرة بالدار البيضاء حضور النائبة البرلمانية نبيلة منيب، الأمينة العامة للحزب الاشتراكي الموحد، التي اعتبرت أن خروج شباب "جيل Z" إلى الشارع يمثل إنذاراً جدياً للحكومة ويعكس حجم الاحتقان الاجتماعي المتراكم.

وأكدت أن هذه الدينامية الشبابية جاءت نتيجة شعور عام بالتهميش وانعدام قنوات التعبير السياسية الفعالة، بعدما جرى إضعاف الأحزاب وإفراغ المجتمع المدني من أدواره الأساسية في التأطير والتعبئة.

منيب شددت، في تصريحاتها، على أن الفوارق الاجتماعية والمجالية اتسعت بشكل غير مسبوق، في وقت ارتفعت فيه معدلات البطالة وتدهورت جودة الخدمات العمومية، خصوصاً في قطاعات حيوية مثل التعليم والصحة.

وأبرزت أن الوضع الراهن لم يعد يحتمل المزيد من التأجيل أو التجاهل، إذ باتت الحاجات الاجتماعية للشباب والشرائح الهشة أكبر من قدرة السياسات الحكومية على الاستجابة.

ورأت القيادية اليسارية أن المسؤولية مشتركة بين الحكومات المتعاقبة والدولة العميقة، معتبرة أن تقليص أدوار الأحزاب والجمعيات ساهم في خلق فراغ سياسي دفع الشباب إلى اللجوء لتنسيقيات مستقلة ووسائل بديلة للتعبير عن مطالبهم.

وأضافت أن ما يحدث اليوم يكشف عن لحظة فارقة تستوجب إصلاحاً سياسياً ومؤسساتياً يعيد الاعتبار للعمل الحزبي والجماعي، ويمنح الشباب فضاءات حقيقية للمشاركة في القرار.

من جهته، عبّر نبيل بنعبد الله، الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية، حسب ما نقله موقع حزبه عن قلقه من تزايد موجة الغضب في الشارع، سواء بسبب أوضاع المستشفيات العمومية، أو المدارس، أو خدمات الماء والتغطية الصحية.

وقال إن المظاهرات الأخيرة التي قادها شباب جيل "Z" تعكس تذمرًا واسعًا من الواقع الاجتماعي، مضيفًا أن حزبه حذّر مرارًا من الهوة الكبيرة بين التزامات الحكومة وما يتم إنجازه فعليًا.

مؤكدا أن تعامل الحكومة مع التنبيهات يتم "بآذان صماء وتعالٍ"، وهو ما قد يساهم في تراجع الثقة في المؤسسات.

وجاء الهجوم الأشد على الحكومة من إدريس الأزمي الإدريسي، النائب الأول للأمين العام لحزب العدالة والتنمية، الذي وصفها بالعاجزة عن مخاطبة الشارع و"المهووسة بتسويق إنجازات وهمية".

وشدد الأزمي على أن الحكومة عمّقت أزمات التعليم والصحة، وفشلت في تنزيل ورش التغطية الصحية بطريقة عادلة، ما حرم ملايين المواطنين من العلاج وفتح الباب واسعًا أمام القطاع الخاص والريع الصحي.

كما اعتبر أن التفاوتات المجالية الصارخة بين المدن الكبرى والمناطق المهمشة تهدد الاستقرار الاجتماعي وتعمّق الفجوة بين الدولة والمجتمع.

أما سعد الدين العثماني، رئيس الحكومة السابق، فقد اختار لغة التحذير والتشخيص، في تدوينه على الفيسبوك، معتبرًا أن احتجاجات شباب "Z" تعكس "مؤشرات مقلقة" مرتبطة بتفاقم البطالة وغلاء المعيشة وتآكل القدرة الشرائية.

العثماني دعا إلى مراجعة جذرية في النهج الحكومي واعتماد خطاب صريح وشفاف مع المواطنين من أجل استعادة الثقة وتخفيف حدة الاحتقان، مشددًا على أن "تدارك الأمور لا يزال ممكنًا" إذا توافرت الإرادة السياسية.

ومهما تباينت مواقف الأحزاب والفاعلين، فإن المؤكد أن جيل "Z" فتح نقاشًا غير مسبوق حول موقع الشباب في السياسة المغربية. فهل سيعيد هذا الجيل رسم الخريطة السياسية حقًا، أم أن الاحتجاجات ستظل مجرد تنفيس اجتماعي ما لم تُترجم إلى فعل مؤسساتي منظم؟ سؤال سيبقى مطروحًا بقوة في ظل تصاعد الغضب الشبابي واتساع دائرة الانتظار الشعبي لتغيير ملموس.

آخر الأخبار