تخريب واحتراق الآمال... المشاريع الصغرى أولى ضحايا احتجاجات جيل "زد"
تشهد مدن مغربية عديدة منذ أيام حراكاً اجتماعياً متصاعداً تقوده فئة من الشباب المنتمين إلى ما يُعرف بجيل "زد"، في مشهد احتجاجي غير مسبوق في الشكل والمضمون، يعبّر عن تحولات عميقة في الوعي الجماعي وأساليب المطالبة بالحقوق.
فشعارات المحتجين جاءت واضحة وصريحة، تطالب بفرص عمل تحفظ الكرامة، وخدمات صحية وتعليمية أكثر عدلاً وجودة، إلى جانب دعوات قوية لمكافحة الفساد وتحقيق العدالة الاجتماعية، وهي مطالب تعكس حجم الإحباط المتنامي في صفوف الشباب الذين يرون أن أبواب الأمل تُغلق تباعاً أمامهم.
ما يميز هذه التعبئة الجديدة أنها لم تأت عبر الأطر التقليدية التي ظلت لعقود تحتكر الشارع، من أحزاب ونقابات وجمعيات، بل تشكلت بشكل تلقائي وعفوي من خلال شبكات التواصل الاجتماعي، التي تحولت إلى فضاء مفتوح للتنظيم والتعبئة ونشر الوعي، في تجاوز واضح للوسائط السياسية الكلاسيكية التي فقدت مصداقيتها لدى جزء كبير من الشباب.
لكن المشهد الذي بدأ سلمياً ومنظماً، سرعان ما تغير في بعض المناطق، حيث تحولت بعض الوقفات إلى مواجهات عنيفة وأعمال تخريب طالت الممتلكات العامة والخاصة. مدن مثل سلا، أيت عميرة، القليعة، وجدة ومراكش شهدت حوادث مؤسفة تمثلت في الاعتداء على مؤسسات تجارية وبنكية، وإتلاف سيارات تابعة للأمن والدرك، ما أثار قلقاً واسعاً في أوساط المواطنين ودفع السلطات إلى إعلان حالة استنفار أمني لتطويق الأحداث ومنع تفاقمها.
المتضرر الأكبر من هذه الانفلاتات كانت المقاولات الصغيرة جداً والمشاريع الفردية التي تشكل العمود الفقري للاقتصاد المحلي، إذ تعرضت عشرات المحلات التجارية الصغيرة ومشاريع الشباب للتخريب والسرقة، ما عمّق جراح فئة تُعد أصلاً من الأكثر هشاشة اقتصادياً.
وفي خضم هذا الوضع، خرجت الكونفدرالية المغربية للمقاولات الصغيرة جداً والصغرى والمتوسطة ببيان شديد اللهجة، عبّرت فيه عن تضامنها الكامل مع المقاولين المتضررين، مطالبة بتعويضات عاجلة وفتح تحقيق شامل.
وأكدت أن ما جرى يمثل ضربة موجعة لآلاف المقاولين الذين استثمروا مدخراتهم المحدودة في مشاريع صغيرة تضمن لهم وأسرهم الحد الأدنى من الكرامة، فإذا بها تتحول بين ليلة وضحاها إلى ركام بسبب أعمال الشغب.
ولخصت قصص المتضررين حسب بيات الكونفدرالية حجم المأساة التي خلفتها الأحداث. شاب في الرابعة والعشرين من عمره، عمل بجهد لتأسيس مشروع صغير لصناعة وبيع الأساور الفضية، وبعد أن استجاب لنداء الوطن لأداء الخدمة العسكرية، أغلق محله مؤقتاً، ليعود بعد أسابيع ويجده مخرباً بالكامل.
وفي قصة أخرى، حسب ما اكدته الكونفدرالية، سيدة أرملة وأم لطفلين كانت تدير صالون حلاقة نسائية بمفردها، بعدما جمعت قرشاً فوق قرش لشراء المعدات وتجهيز المحل، لكنها استيقظت ذات صباح لتجد كل شيء محطماً. تقول إنها لم تكن تبحث عن الثراء، بل عن لقمة عيش حلال تحفظ كرامتها، لكن التخريب سرق منها الأمل والمستقبل.
وتشير الكونفدرالية إلى أن المئات من المقاولين الشباب فقدوا مشاريعهم التي تتنوع بين بيع العطور والأثاث المنزلي والذهب والمواد الغذائية، في وقت لا يتوفر أغلبهم على تأمين يغطي هذه الخسائر.
واعتبرت أن ما حدث يُنذر بتداعيات خطيرة على النسيج الاقتصادي الوطني، لأن توقف المشاريع الصغرى يعني عملياً فقدان آلاف فرص الشغل وارتفاع نسب البطالة في صفوف الشباب، فضلاً عن اهتزاز ثقة المستثمرين في استقرار بيئة الأعمال بالمغرب.
وطالبت من الحكومة إلى اتخاذ تدابير استثنائية وسريعة لإنصاف المتضررين، من خلال تعويضات مالية عاجلة تموّل عبر صندوق محمد السادس للاستثمار والمبادرة الوطنية للتنمية البشرية وصندوق الكوارث.
كما طالبت بتمكين المقاولين من قروض بدون فوائد، وتخفيف الأعباء الضريبية، وإعادة جدولة الديون لتسهيل استعادة النشاط الاقتصادي. ودعت كذلك إلى تبسيط مساطر التعويض ومنح أوامر أداء فورية للمتضررين لضمان سرعة التعويض واستعادة الثقة.
كما شددت الكونفدرالية على ضرورة تعزيز التدابير الأمنية لحماية الممتلكات والمشاريع من أي أعمال شغب مستقبلية قد تعمّق الأزمة وتضر بصورة المغرب كوجهة آمنة للاستثمار، محذرة في الوقت ذاته من أن تجاهل الأسباب العميقة التي دفعت الشباب إلى الشارع قد يؤدي إلى تكرار المشهد بأشكال أكثر حدة.
وفي ختام بيانها، دعت الكونفدرالية إلى إطلاق حوار وطني شامل يجمع مختلف الأطراف: الحكومة، المقاولين، الفاعلين الاجتماعيين، وممثلي الشباب، لبحث سبل معالجة جذور الأزمة الاجتماعية والاقتصادية التي فجّرت الاحتجاجات، وبناء عقد اجتماعي جديد يحقق العدالة الاقتصادية والكرامة لجميع المواطنين.