بنكيران ينتقد دعوات المقاطعة: لا علاقة بين ميزانية الملاعب والصحة والتعليم

الكاتب : انس شريد

19 October 2025 - 07:30
الخط :

يشهد المغرب منذ أسابيع حراكًا اجتماعيًا متصاعدًا تقوده فئة شبابية جديدة تُعرف إعلاميًا بـ"جيل زد"، وهو الجيل الذي نشأ في ظل الثورة الرقمية، متمرس على أدوات التواصل الحديثة، ومتشبع بروح النقد والتعبير المباشر عبر المنصات الرقمية.

هذا الجيل الذي كبر في زمن الهواتف الذكية والذكاء الاصطناعي خرج اليوم إلى الشارع، متجاوزًا حدود الفضاء الافتراضي إلى الميدان الواقعي، في مظاهرات متفرقة شملت كبريات المدن المغربية كالعاصمة الرباط والدار البيضاء وطنجة وفاس، رافعًا شعارات تطالب بالعدالة الاجتماعية وتحسين ظروف العيش وتوفير فرص العمل.

وعلى الرغم من أن هذه التحركات انطلقت في أجواء سلمية ومنظمة، فإن بعض المناطق شهدت انزلاقات محدودة تمثلت في أعمال تخريب واحتكاكات مع السلطات الأمنية، ما أعاد إلى الواجهة النقاش حول طبيعة الاحتجاجات وحدودها، ومسؤولية الدولة والأحزاب السياسية في تأطير هذا الحراك الجديد الذي لا ينتمي تنظيمياً لأي جهة، بل ينبع من حالة سخط عام ووعي جماعي تشكّل في رحم التحولات الرقمية والاجتماعية.

وقد حذّر عدد من المراقبين من مغبة تجاهل مطالب هذه الفئة، معتبرين أن "جيل زد" يمثل صوت المستقبل، وأن التعامل معه بعقلية الماضي قد يعمّق فجوة الثقة بين الشباب والمؤسسات.

في خضم هذا السياق المحتقن، دخل عبد الإله بنكيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية ورئيس الحكومة الأسبق، على خط النقاش، منتقدًا بشدة الدعوات التي تروج لمقاطعة مباريات كرة القدم، خصوصًا في ظل استعداد المغرب لاحتضان كأس إفريقيا للأمم 2025 وكأس العالم 2030 بشراكة مع إسبانيا والبرتغال.

واعتبر بنكيران في كلمة ألقاها خلال لقاء حول حصيلة الجماعات الترابية، اليوم الأحد، أن هذه الدعوات "تخلط بين الأوراش الملكية ومطالب اجتماعية مشروعة"، مشددًا على أن "الملكية لا يجب أن تخضع للابتزاز"، في إشارة إلى الشعارات التي رفعها بعض المحتجين من قبيل "الصحة أولاً، لا نريد كأس العالم"، والتي اعتبرها "مغلوطة وتضرب جهود الدولة".

وأضاف ابن كيران أن المغرب لا يمكنه أن يضرب ما وصفه بـ"الإنجاز الوطني"، المتمثل في فوز البلاد بشرف تنظيم أكبر التظاهرات الرياضية في القارة والعالم، مشيرًا إلى أن "المغاربة يحبون كرة القدم، وأن الملك حرص على أن تكون هذه المشاريع مصدر فخر واعتزاز ورافعة للتنمية، لذا فإن الدعوة إلى المقاطعة تضر بصورة المغرب ولا تخدم مصالح المواطنين".

وأوضح أن "الربط بين ميزانية الصحة والتعليم وميزانية الملاعب كلام شعبوي وغير منطقي"، مشيراً إلى أن "الاعتمادات المخصصة لتنظيم البطولات لا تأتي من نفس الفصول المالية، وأن الدولة قادرة على الموازنة بين مشاريع التنمية والبنية التحتية وبين القطاعات الاجتماعية الحيوية".

وفي حديثه عن تعامل السلطات مع احتجاجات “جيل زد”، نوّه بنكيران بما وصفه بـ"تعقل الإدارة" في المراحل الأولى من الحراك، بعد تسجيل بعض الاعتقالات العشوائية التي أعقبت انطلاق المظاهرات، معتبراً أن "تراجع السلطات والسماح بالاحتجاج السلمي من جهة، وتعقل الشباب الذين رفضوا العنف وتبرؤوا من التخريب من جهة أخرى، جنّب البلاد الانزلاق نحو المجهول".

وأشار ابن كيران إلى أن "النظام الملكي المغربي يُعدّ من بين الأنظمة المستقرة والمتوازنة في المنطقة"، مضيفاً أن "هناك من هو أفضل من المغرب اقتصادياً أو ديمقراطياً، لكن قلما نجد من يجمع بين الاثنين كما هو الحال في المغرب"، على حد تعبيره.

ودعا الشباب إلى "الاحتجاج السلمي المسؤول دون المساس بالمصالح العليا للوطن"، مؤكداً أن "الملكية لا تُبتز، لكنها تستمع وتستجيب حين تكون المطالب مشروعة ومؤطرة بالحكمة".

ورغم لهجته الحازمة، أبدى ابن كيران تفهمًا لمطالب الشباب، مشيراً إلى أن احتجاجاتهم "كشفت عن عمق أزمة الحكامة في تدبير القطاعات الحيوية"، خاصة بعد حادث وفاة ثمان نساء في أحد مستشفيات أكادير، وهي الواقعة التي كانت شرارة إضافية أشعلت غضب الشارع.

وبينما يواصل “جيل زد” التعبير عن غضبه وإصراره على التغيير، تبرز الحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى مقاربة جديدة في التعاطي مع الشباب، قائمة على الحوار والثقة، بعيدًا عن لغة الاتهام والتخوين، لأن مستقبل المغرب، كما يرى المراقبون، لن يُكتب إلا بأيدي أبنائه الذين يملؤون اليوم الشوارع والمنصات بصوت واحد: "نريد العيش بكرامة في وطن يسع الجميع".

آخر الأخبار