حماية الطفولة في صلب الجدل السياسي.. انتقادات حادة للمعارضة وتمرير قانون جديد
شهدت الجلسة التشريعية لمجلس النواب المنعقدة يوم أمس الاثنين نقاشا سياسيا محتدما حول مشروع القانون رقم 29.24 المتعلق بإحداث الوكالة الوطنية لحماية الطفولة ومراكز حماية الطفولة التابعة لها، حيث انقسمت مواقف الفرق البرلمانية بين معارضة قوية شككت في مقاربة الحكومة، وأغلبية دافعت عن مضامين النص وصادقت عليه بالأرقام.
وخلال المناقشة العامة، ألقى النائب البرلماني سعيد بعزيز مداخلة باسم الفريق الاشتراكي – المعارضة الاتحادية، انتقد فيها بشدة توجه الحكومة في التعاطي مع ملف الطفولة، معتبرا أن إحداث وكالة جديدة لا يمكن أن يشكل جوابا حقيقيا عن الاختلالات البنيوية التي يعرفها هذا المجال.
وأكد المتحدث ذاته أن الحكومة، بدل تحمل مسؤوليتها السياسية والدستورية كاملة في حماية الطفولة، اختارت نقل الإشكالات إلى مؤسسة مستقلة، في ما وصفه بمحاولة للتهرب من الأدوار المنوطة بالفاعل الحكومي.
وسجل النائب البرلماني، وجود قصور واضح في منظومة حماية الطفولة بالمغرب، مؤكدا أن هذا القصور لا يعالج بإجراءات تنظيمية معزولة، بل بإصلاحات عميقة تمس السياسات الاجتماعية والاقتصادية والتعليمية.
وتساءل النائب الاتحادي عن الخلفيات الحقيقية للإسراع بإخراج هذا المشروع إلى حيز المصادقة، مستحضرا الجدل الذي رافق مناقشته داخل الأغلبية الحكومية نفسها، مشيرا إلى أن واقع الطفولة في المغرب، خصوصا في القرى والمناطق النائية، يظل مثقلا بالفقر والهشاشة والتهميش.
داعيا الحكومة إلى الالتفات الجدي لهذه الفئة، حيث يواجه الأطفال أوضاعا صعبة تتجلى في الهدر المدرسي، وضعف الخدمات الصحية، وغياب شروط العيش الكريم.
كما نبه إلى الأوضاع المقلقة داخل مراكز حماية الطفولة، من اكتظاظ وضعف في الإمكانيات البشرية واللوجستيكية، مذكرا بأن المجلس الوطني لحقوق الإنسان سبق أن دق ناقوس الخطر بخصوص هذه الاختلالات.
ورغم الانتقادات التي عبرت عنها فرق المعارضة، صادق مجلس النواب على مشروع القانون رقم 29.24، حيث حظي بموافقة 61 نائبا برلمانيا، مقابل معارضة 23 نائبا، ما عكس تماسك موقف فرق الأغلبية ودعمها لهذا النص التشريعي.
وفي كلمة تقديمية للمشروع، أكد كاتب الدولة المكلف بالشغل، هشام الصابري، أن هذا القانون يؤسس لمنظومة حماية مؤسساتية جديدة قائمة على توحيد المتدخلين في مجال حماية الطفولة، واعتماد مقاربة تروم تحقيق الالتقائية وترشيد الموارد البشرية والمادية، ومعالجة الإشكاليات القانونية والعملية التي تعيق النجاعة في هذا المجال.
وأبرز الصابري أن من أهم مستجدات النص إحداث وكالة وطنية خاصة بحماية الطفولة، تُمنح اختصاصات حصرية مع تمكينها من الموارد والإمكانيات الضرورية، وتعزيز هياكلها بأجهزة للتدبير والتسيير والتقرير بشكل تشاركي، تضم مختلف القطاعات والهيئات المعنية.
وأضاف أن المشروع يعزز أدوار الوكالة من خلال إشرافها المباشر على مراكز حماية الطفولة، وتحديد اختصاصاتها المتعلقة بمؤسسات الرعاية الاجتماعية الخاصة بالأطفال، خاصة في مجالات الترخيص، والتأشير على تعيين المديرين، والتتبع، والإسهام في المراقبة، ورصد وضعية الأطفال، وترتيب المسؤوليات.
وسجل كاتب الدولة أن المشروع ينص على اعتماد نظامين بمراكز حماية الطفولة، نظام محروس يستفيد فيه النزلاء من جميع الخدمات داخل المركز ولا يسمح لهم بالخروج إلا استثناء وفق شروط قانونية دقيقة، ونظام مفتوح يتيح للنزلاء الاستفادة من الأنشطة داخل المركز وخارجه.
كما يحدد فئات الأطفال المستفيدين من كل صنف من أصناف المراكز، بحسب الحالات، بما يشمل الأطفال في نزاع مع القانون، والأطفال المحالين من السجون، والأطفال في وضعية صعبة، والمهملين، وضحايا الجنح والجنايات.
من جهتها، نوهت فرق الأغلبية البرلمانية بالأبعاد الاجتماعية والإنسانية التي تترجمها مقتضيات هذا النص التشريعي، معتبرة أنه يأتي في سياق وطني ودولي يتسم بتزايد التحديات المرتبطة بحماية الأطفال من مختلف أشكال الهشاشة والاستغلال والعنف والإهمال.
وبين انتقادات المعارضة ودفاع الأغلبية، يفتح مشروع القانون رقم 29.24 نقاشا واسعا حول النموذج الأمثل لحماية الطفولة بالمغرب، وحول حدود المسؤولية الحكومية في هذا المجال، في انتظار ما ستفرزه الممارسة العملية من نتائج قادرة إما على تبديد المخاوف المثارة أو تأكيدها على أرض الواقع.