ملف شائك أمام مجلس المنافسة.. هل يعرف سوق الأدوية اختلالات تنافسية؟

الكاتب : انس شريد

28 يناير 2026 - 06:30
الخط :

في ظل تصاعد الشكاوى المرتبطة بارتفاع أسعار الأدوية وتنامي الإحساس بثقلها على القدرة الشرائية للأسر المغربية، عاد ملف احتكار سوق الدواء ليطفو بقوة على سطح النقاش العمومي، مدفوعًا بجدل برلماني وسياسي متزايد حول آليات التسعير، وشروط المنافسة، ومدى انسجام المنظومة الحالية مع أهداف الإصلاح الصحي وتعميم الحماية الاجتماعية.

هذا النقاش أعاد توجيه الأنظار نحو الدور الرقابي لمجلس المنافسة، الذي باشر خطوات عملية لفتح هذا الملف الحساس، في سياق يتسم بتزايد الانتقادات الموجهة إلى اختلالات بنيوية تطبع سوق الأدوية، سواء على مستوى الأسعار، أو وفرة العرض، أو شفافية المساطر التنظيمية المؤطرة للقطاع.

وتعكس التطورات الأخيرة حجم التوتر الذي يطبع العلاقة بين مختلف المتدخلين في منظومة الدواء، خاصة في ظل تكرار حالات انقطاع بعض الأدوية الحيوية من الصيدليات والمؤسسات الاستشفائية، سواء العمومية أو الخاصة، وما يرافق ذلك من تساؤلات حول أسباب هذه الندرة، وجدوى المساطر المعتمدة لضمان التزويد المنتظم للسوق الوطنية.

ووفقا لمصادر "الجريدة 24"، فقد عقد مجلس المنافسة يوم أمس الثلاثاء اجتماعًا مع فريق العدالة والتنمية بمجلس النواب، في إطار إعداد رأي استشاري حول أسعار الأدوية، ومساطر الإذن بالوضع في السوق، ونظام التعويض، وذلك بناءً على طلب برلماني يرمي إلى تسليط الضوء على وضعية المنافسة داخل القطاع، وتحديد مكامن الخلل التي تؤثر على توازن السوق وحماية المستهلك.

وقد أتاح هذا اللقاء فرصة لطرح عدد من الإشكالات المرتبطة بسير سوق الأدوية، من بينها تزايد اللجوء إلى التراخيص الاستثنائية، في ظل فشل نسبة مهمة من طلبات العروض العمومية في تحقيق أهدافها، وهو ما يطرح علامات استفهام حول فعالية منظومة الشراء العمومي للأدوية، ومدى قدرتها على تكريس المنافسة وضمان أفضل الشروط المالية والتقنية.

كما جرى خلال النقاش التوقف عند ما اعتبره فريق العدالة والتنمية المصطف في المعارضة مؤشرات مقلقة على وجود ممارسات تمس بمبدأ المنافسة الحرة، من قبيل شبهات تضارب المصالح، وضعف الشفافية في تداول المعطيات المتعلقة بالقطاع، إضافة إلى التأخر المسجل في معالجة ملفات الإذن بالوضع في السوق، وهو ما ينعكس سلبًا على ولوج الأدوية الجنيسة ويعزز موقع بعض الفاعلين المهيمنين داخل السوق.

بالإضافة إلى ظاهرة طلبات العروض التي تكون غير ذات جدوى في نسب تفوق 50 % ليتم اللجوء للترخيصات الاستثنائية ATU .

واعتبر فريق العدالة والتنمية المصطف في المعارضة، أن هذا الامر يتنافى مع مبدأ المنافسة الحرة، مشيرا إلى وجود شبهة تضارب المصالح لأعضاء بالحكومة، بين من يملك شركة للأدوية كانت على وشك الإفلاس و ليس لديه خبرة بمجال الصيدلة، انعدام الشفافية في المعلومات من طرف وزارة الصحة لكي تصبح عمومية، ويطلع عليها كل المتنافسين.

وتم انتقاد خلال الجلسة مشكل تعطيل الـ AMM التي قد تصل لـ 3 سنوات لفائدة المحتكرين لسوق الادوية، سببه تنظيمي وتقني، بحيث لا يتوفر المختبر الوطني التابع للوكالة الوطنية للأدوية الا على 6 آلات HPLC، إلى جانب إنهاء مهام الأطر التي تملك خبرة طويلة في اختبار الادوية من طرف الوزارة و الحاقهم بالإدارة المركزية، وبالتالي فسح المجال للاحتكار للأدوية الرائجة في السوق على حساب الدواء الجنيس.

وتبرز هذه الإشكالات في سياق صحي واجتماعي بالغ الحساسية، يتزامن مع تنزيل ورش تعميم الحماية الاجتماعية، الذي يفترض أن يواكبه إصلاح عميق لمنظومة الدواء، يضمن الولوج العادل والمستدام إلى العلاج، ويحد من الفوارق المجالية والاجتماعية في الاستفادة من الخدمات الصحية.

في المقابل، لم يغب صوت المجتمع المدني عن هذا النقاش، حيث عبرت هيئات معنية بحماية المستهلك في أوقات سابقة عن قلقها من الزيادات المتكررة في أسعار عدد من الأدوية الأساسية، خاصة تلك المرتبطة بعلاج الأمراض المزمنة، معتبرة أن هذا الوضع يشكل عبئًا إضافيًا على فئات واسعة من المواطنين، ويمس بشكل مباشر حقهم في العلاج.

كما حذرت هذه الهيئات من غياب الوضوح في لوائح الأسعار الرسمية، وتفاوت الأسعار بين الصيدليات، وتأخر تحيين المعطيات المرجعية، وهو ما يخلق حالة من الارتباك لدى المستهلكين، ويضعف ثقتهم في منظومة تسعير يفترض أن تكون شفافة وخاضعة للمراقبة.

ويُنتظر أن يشكل تدخل مجلس المنافسة محطة مفصلية في مسار معالجة هذا الملف، بالنظر إلى الصلاحيات التي يخولها له القانون في ما يتعلق برصد الممارسات المنافية للمنافسة، وتقييم مدى احترام قواعد السوق، واقتراح التوصيات الكفيلة بتصحيح الاختلالات وضمان توازن المصالح بين الفاعلين الاقتصاديين وحقوق المستهلكين.

وفي ظل هذا الحراك، تتزايد الدعوات إلى إرساء مقاربة شمولية لإصلاح سوق الأدوية، تقوم على تعزيز الشفافية، وتسريع المساطر التنظيمية، ودعم الصناعة الدوائية الوطنية، وتكريس دور الدواء الجنيس، بما يحقق الأمن الدوائي للمملكة، ويخفف من كلفة العلاج، انسجامًا مع الالتزامات الدستورية للدولة في مجال الحق في الصحة.

آخر الأخبار