هل تتملص الأحزاب السياسية من إرجاع ملايين الدراهم إلى خزينة الدولة؟
لا تزال قضية إرجاع الدعم العمومي للأحزاب السياسية تشكل محور متابعة دقيقة في المغرب، في ظل استعداد البلاد للدخول في مرحلة سياسية حساسة تستبق انتخابات 2026، وتضع أمام المؤسسات المنتخبة والمواطنين اختبارا حقيقيا لنضج التجربة الديمقراطية الوطنية.
وبينما شهدت السنوات الأخيرة بعض الالتزام من قبل الأحزاب، فإن حصيلة تتبع المجلس الأعلى للحسابات تكشف أن عددًا من الهيئات السياسية لا تزال تتلكأ في إعادة المبالغ الممنوحة لها ضمن الدعم العمومي، المخصص لتغطية مصاريف التدبير وتنظيم الحملات الانتخابية ومؤتمراتها الوطنية العادية.
وأكد المجلس الأعلى للحسابات في تقريره السنوي برسم 2024-2025، أن المبالغ التي أرجعت إلى خزينة الدولة بلغت ما مجموعه 36,03 مليون درهم خلال الفترة الممتدة من سنة 2022 إلى 15 نونبر 2025، مقابل مبالغ لم يتم إرجاعها بعد بلغت قيمتها الإجمالية 21,85 مليون درهم.
وأوضح المجلس أن عمليات التدقيق شملت الحسابات السنوية للأحزاب السياسية برسم الدعم العمومي للسنة المالية 2023، مع فحص صحة نفقاتها والتأكد من توظيفها وفق الأغراض القانونية المخصصة لها، ونشر التقرير المفصل حول نتائج هذه العمليات في 27 ماي 2025، بعد استكمال المساطر التواجهية مع الهيئات السياسية المعنية وتوجيه التقرير إلى وزارة الداخلية.
وأبرز التقرير أن 24 حزبًا سياسيًا تجاوب مع عملية الإرجاع، حيث أرسلوا إلى الخزينة ما مجموعه 36,03 مليون درهم، موزعة عبر السنوات على النحو التالي: 19 مليون درهم في سنة 2022، و8,07 ملايين درهم خلال سنة 2023، و8,85 ملايين درهم في سنة 2024، إضافة إلى 115.602,27 درهم حتى 15 نونبر 2025 بعد نشر التقرير.
وقد تركزت هذه المبالغ على دعم الحملات الانتخابية بمبلغ 28,71 مليون درهم، ومصاريف التدبير بمبلغ 2,53 مليون درهم، فضلاً عن المهام والدراسات والأبحاث التي بلغت 4,79 مليون درهم.
وفي المقابل، أشار المجلس إلى أن 14 حزبًا لم يستكملوا عملية إرجاع مبالغ الدعم، حيث بلغ إجمالي المبالغ غير المرجعة 21,85 مليون درهم.
وتوزعت هذه المبالغ، حسب التقرير، بين 15,07 مليون درهم لم يُثبت صرفها بوثائق قانونية، و3,25 ملايين درهم لم تُستعمل، و2,88 مليون درهم استُخدمت لأغراض أخرى غير المخصصة لها، إضافة إلى 0,65 مليون درهم اعتُبرت غير مستحقة.
وأوضح التقرير أن 94 في المائة من هذه المبالغ المتأخرة تتعلق بدعم الحملات الانتخابية، حيث شملت انتخابات سنتي 2015 و2016 ما مجموعه 2,41 مليون درهم تخص ثلاثة أحزاب، وانتخابات سنة 2021 بمبلغ 18,13 مليون درهم يخص سبعة أحزاب، في حين بلغ المبلغ المتبقي 1,31 مليون درهم مرتبطًا بدعم التدبير للفترة الممتدة ما بين 2017 و2023 ويخص ستة أحزاب.
وطالب المجلس الأعلى للحسابات في تقريره السنوي هذه الأحزاب بتسوية وضعيتها تجاه الخزينة العامة للدولة، مؤكدًا ضرورة إعادة المبالغ غير المستعملة أو غير المبررة وفق المقتضيات القانونية والتنظيمية.
وأكد المجلس التزام الحكومة بمقتضيات التصريح بالممتلكات لجميع أعضائها، ما يعكس حرص المؤسسة على تعزيز مبادئ الشفافية والمحاسبة، ومواصلة تدعيم آليات الرقابة على التمويلات العمومية، خاصة في الفترة التي تسبق الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.
ويشير التقرير إلى أن المبالغ غير المرجعة تمثل تحديًا متواصلًا أمام النظام السياسي المغربي، بما يفرض على وزارة الداخلية والأحزاب نفسها العمل بجدية على تسوية الملفات العالقة، لضمان احترام القوانين المنظمة لاستخدام الدعم العمومي وتعزيز ثقة المواطن في الأحزاب والمؤسسات المنتخبة، خصوصًا أن هذه الملفات ترتبط أساسًا بالتمويل المخصص للعمليات الانتخابية ومصاريف التدبير السياسي، وهي عناصر محورية لضمان نزاهة العمليات الانتخابية وشفافية ممارسات الأحزاب.
وبحسب معطيات التقرير، فإن تتبع وضعية المبالغ غير المستعملة أو غير المبررة أو غير المستحقة استمر على مدى أربع سنوات، ما يعكس استمرار المجلس الأعلى للحسابات في ممارسة مهامه الدستورية المتمثلة في مراقبة المالية العمومية، وحث الهيئات السياسية على الالتزام بمقتضيات القانون، مع ضرورة ضمان أثر مستدام للأعمال الرقابية في الميدان السياسي والمالي على حد سواء.
وتؤكد الأرقام الرسمية أن المغرب يشهد في هذه المرحلة السياسية الحساسة اختبارا حقيقيًا للنضج الديمقراطي، حيث يشكل الامتثال لإرجاع الدعم العمومي مقياسًا لمدى التزام الأحزاب بالمسؤولية السياسية والمالية، بما يضمن حماية المال العام وتعزيز ثقة المواطن في النظام الانتخابي والممارسة السياسية.