التفاؤل الفلاحي يصطدم بواقع السوق.. لماذا لم تنخفض أسعار الخضر بعد الأمطار؟

الكاتب : انس شريد

28 يناير 2026 - 10:00
الخط :

رغم التساقطات المطرية المهمة التي عرفها المغرب منذ شهر دجنبر الماضي، والتي بعثت موجة تفاؤل واسعة بعد سنوات متتالية من الجفاف، فإن هذا التحسن المناخي لم ينعكس بالوضوح المنتظر على أسعار عدد من المواد الغذائية الأساسية، التي واصلت تسجيل مستويات مرتفعة في الأسواق الوطنية.

ويؤكد مهنيون وخبراء في القطاع الفلاحي أن الأمطار، وإن كانت ذات أثر إيجابي على الفرشة المائية والآمال الموسمية، فقد تزامنت في عدد من المناطق مع انخفاض درجات الحرارة وتباطؤ وتيرة النمو والنضج بالنسبة لبعض الزراعات، ما أثر على مردودية الجني في المدى القريب.

واعتبرت عدد من المصادر المهنية إلى أن الحالة الميدانية في بعض الضيعات الفلاحية صعّبت عمليات الحصاد والنقل، نتيجة تشبع التربة بالمياه وتعذر الولوج إلى الحقول في فترات معينة، بالاضافة إلى اضطرابات في سلاسل الإمداد، حيث أدى انقطاع بعض الطرق والمسالك القروية، بفعل التساقطات، إلى تأخر وصول الشحنات نحو مراكز التجميع والتوزيع، وهو ما انعكس بشكل مباشر على وفرة العرض داخل الأسواق الحضرية..

كما أقرت مصادر مهنية للجريدة 24 من داخل سوق الجملة للخضر والفواكه بالدار البيضاء، بوجود عوامل أخرى ذات طابع هيكلي وموسمي، من بينها قاعدة العرض والطلب التي تميل لصالح ارتفاع الأسعار كلما اقترب شهر رمضان، إضافة إلى ما وصفته بـ"التحرك الموسمي" لبعض المتدخلين في سلاسل التوزيع، ما يفاقم حدة التقلبات السعرية.

ودعت هذه الجهات إلى تعزيز المراقبة المستمرة للأسواق، وتكثيف عمليات التتبع على مستوى مسارات التوزيع، من أجل الحد من الممارسات التي قد تساهم في تضخيم الأسعار خارج منطق الكلفة الحقيقية.

وفي مقابل الوضع الراهن، تتوقع فئات من الفاعلين المهنيين أن تعرف الأسعار مع بداية شهر رمضان المقبل منحى تنازلياً مهماً، تزامناً مع تحسن وتيرة الجني واستقرار الظروف المناخية، ما من شأنه أن يرفع حجم العرض ويخفف الضغط على الأسواق.

ويرى هؤلاء أن الأثر الإيجابي للتساقطات سيظهر بشكل أوضح خلال الأسابيع المقبلة، شريطة استقرار المسالك اللوجستية واستمرار تدفق المنتوجات نحو مراكز الاستهلاك.

على الصعيد السياسي، دخلت المعارضة البرلمانية على خط الجدل الدائر حول الغلاء، حيث وجهت النائبة البرلمانية حياة لعرايش عن حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية سؤالاً شفهياً إلى وزارة الاقتصاد والمالية، عبّرت فيه عن قلقها من تطور الأوضاع داخل الأسواق المغربية مع مطلع سنة 2026.

وأكدت أن ما يجري لم يعد مجرد تذبذب عابر في الأسعار، بل تحول إلى تهديد مباشر للقدرة الشرائية للأسر، في ظل تواصل موجة الغلاء في أسعار الخضر والفواكه خلال الأسابيع الأخيرة، وبلوغها مستويات غير مسبوقة بالتزامن مع العد التنازلي لشهر رمضان.

وأشارت النائبة البرلمانية إلى أن هذا الوضع دفع فئات واسعة من الطبقات المتوسطة والهشة إلى إعادة ترتيب أولوياتها الغذائية، في ظل ما وصفته بالمعادلة الصعبة التي يعيشها المواطن المغربي بين متطلبات الحاجة اليومية وضغط الغلاء المتزايد.

كما نبهت إلى أن التجربة التاريخية تفيد بأن الأسعار تميل إلى الارتفاع مع زيادة الطلب خلال شهر رمضان، ما يفاقم المخاوف المرتبطة بالمواد الحيوية التي تشكل أعمدة المائدة الرمضانية المغربية، من قبيل الطماطم والبيض والقطاني والبصل.

وطالبت، في هذا السياق، بالكشف عن التدابير والإجراءات الكفيلة بحماية الأمن الغذائي للأسر المغربية وضبط السوق.

من جهتها، اعتبرت جمعيات مدافعة عن حقوق المستهلك أن التساقطات المطرية الأخيرة كان من المفترض أن تنعكس إيجاباً على وفرة المنتوجات الفلاحية واستقرار أسعار الخضر، غير أن استمرار الارتفاع، بحسب تعبيرها، يطرح تساؤلات حول فعالية آليات الضبط والمراقبة.

وأكدت هذه الجمعيات أن المستهلك المغربي يتحمل عبئاً متزايداً، في ظل تراجع القدرة الشرائية واقتراب شهر رمضان، داعية إلى تدخلات أكثر صرامة لضمان شفافية المعاملات داخل الأسواق والحد من المضاربات.

وبين تفاؤل الفاعلين المهنيين بإمكانية تحسن الوضع مع بداية ذروة الجني، وتحذيرات الهيئات الاستهلاكية والبرلمانية من اتساع دائرة الضغط على الأسر، يظل ملف الأسعار في صدارة انشغالات الرأي العام، في انتظار أن تكشف الأسابيع القليلة المقبلة عن مدى قدرة العوامل المناخية الإيجابية على ترجمة وعودها داخل الأسواق، وتحقيق توازن بين وفرة العرض وحماية القدرة الشرائية.

آخر الأخبار