كشف تقرير جديد للمحاكم المالية عن اختلالات مقلقة في طريقة معالجة الشكايات المرتبطة بالتأديب في مجال الميزانية والشؤون المالية.
وسجل التقرير ضعفا كبيرا في مستوى الجدية وجودة المعطيات، رغم الارتفاع اللافت في عدد الشكايات الواردة خلال سنة 2024.
وأوضح التقرير أن المجلس الأعلى للحسابات توصل خلال السنة الماضية بما مجموعه 455 شكاية، لم يعالج منها سوى 163، في حين تلقت المجالس الجهوية للحسابات 745 شكاية، تمت معالجة 679 منها.
غير أن هذه الأرقام، بحسب التقرير، لا تعكس فعالية حقيقية في تفعيل المساءلة، إذ تبين أن أزيد من 95 في المائة من الشكايات المدروسة تفتقر إلى العناصر الكفيلة بإثارة المسؤولية التأديبية، سواء بسبب عمومية الوقائع أو ضعف المعطيات أو غياب الوثائق المثبتة.
وسجل التقرير أن المحاكم المالية تعتمد مقاربة تقوم على ترجيح كلفة وجدوى المسطرة القضائية، حيث يتم اللجوء إلى الدعوى التأديبية فقط في الحالات التي تتسم بالخطورة أو التكرار أو التي يترتب عنها ضرر مالي مباشر، أما في باقي الحالات، فيتم تفضيل الإجراءات التصحيحية والرقابية، وهو ما يفسر محدودية عدد المتابعات القضائية مقارنة بحجم الشكايات المقدمة.
وأشار التقرير إلى أن الشكايات التي عالجها المجلس الأعلى للحسابات خلال 2024 لم تستدعِ، في معظمها، فتح مساطر قضائية، إذ لم يخصص لأي مآل جنائي نحو 35 في المائة منها، إما لعدم الاختصاص أو لغياب الجدية أو لنقص الوثائق.
في المقابل، لم تتجاوز نسبة الشكايات التي تضمنت عناصر تستوجب تعميق البحث 4 في المائة فقط، بينما جرى توجيه باقي الملفات نحو مسارات بديلة، من قبيل مراسلة القطاعات المعنية أو طلب توضيحات إضافية أو إدماج المعطيات المتوفرة ضمن برمجة مهام رقابية مستقبلية.
وبرغم هذا الأثر القضائي المحدود، أبرز التقرير أن التدخلات التصحيحية المنجزة في إطار مهام المراقبة والتقييم أفضت إلى نتائج مالية إيجابية مهمة، إذ بلغت آثارها ما مجموعه 629,2 مليون درهم، دون احتساب الآثار التدبيرية أو البيئية أو الاجتماعية التي تعذر تقديرها ماليا.
واعتبر التقرير أن هذه النتائج تعكس نجاعة المقاربة التصحيحية مقارنة بالمساطر التأديبية، خاصة في الحالات التي لا تستوجب العقاب القضائي.
وفي ما يتعلق بالتنسيق مع رئاسة النيابة العامة، أفاد التقرير أنه في إطار تفعيل مذكرة التفاهم الموقعة بين الطرفين سنة 2021، تمت إحالة 77 شكاية خلال سنتي 2024 و2025، غير أن دراسة هذه الملفات أبانت أن 45 في المائة منها لم يخصص لها أي مآل، بسبب غياب الجدية أو نقص الوثائق أو عدم الاختصاص.
في المقابل، اقترنت 17 في المائة من الشكايات بإنجاز مهام رقابية، بينما تضمنت 15 في المائة عناصر قد تبرر رفع دعاوى تأديبية، في حين سبق رصد مواضيع 13 في المائة ضمن مهام رقابية سابقة.
وعلى مستوى المجالس الجهوية للحسابات، كشف التقرير أن اللجوء إلى المساطر القضائية يظل محدودا، إذ لم تتجاوز نسبة الشكايات التي تضمنت عناصر تستوجب المتابعة القضائية 5 في المائة فقط، مقابل استبعاد 45 في المائة من الشكايات المعالجة بسبب ضعف المعطيات أو نقص الوثائق أو غياب الأدلة، وهو ما يعكس، بحسب التقرير، اتساع الفجوة بين انتظارات مقدمي الشكايات وقدرتها الفعلية على تحريك آليات المساءلة.
وخلص التقرير إلى أن تفعيل الدعوى التأديبية داخل المحاكم المالية يظل خيارا استثنائيا تحكمه اعتبارات النجاعة والجدوى، في ظل تدفق شكايات يغلب عليها الطابع العام أو الادعائي، مقابل تركيز متزايد على آليات التصحيح والوقاية.