بعد تصاعد الشكايات.. تحرك المنتخبين يعيد ترتيب أولويات الدار البيضاء

الكاتب : انس شريد

31 يناير 2026 - 10:30
الخط :

تشهد مدينة الدار البيضاء خلال الأسابيع الأخيرة دينامية مؤسساتية متسارعة تعكس دخولها مرحلة السرعة القصوى في تنزيل عدد من المشاريع الاجتماعية، في سياق استجابة متزايدة لمطالب وشكايات المواطنين، خاصة في ما يتعلق بالولوج إلى الخدمات الصحية والاجتماعية وتحسين شروط العيش للفئات الهشة.

وتأتي هذه التحركات في إطار الاستعدادات الجارية لعقد الدورة العادية لشهر فبراير 2026 لمجلس جماعة الدار البيضاء، حيث انكبت اللجان الدائمة للمجلس، منذ الثلاثاء الماضي إلى غاية يوم الجمعة، على دراسة ومناقشة مجموعة من النقاط ذات الطابع الاجتماعي، تمهيدًا لعرضها على التداول والتصويت خلال أشغال الدورة المقبلة.

وقد برز بشكل لافت عمل لجنة الشؤون الثقافية والاجتماعية والرياضية، في شقها الاجتماعي، التي عقدت اجتماعًا مطولًا خُصص لمناقشة عدد من القضايا الاجتماعية الحيوية، في أجواء اتسمت بنقاش معمق وتفاعل مسؤول مع الإشكالات المطروحة، بالنظر إلى ارتباطها المباشر بحياة شريحة واسعة من ساكنة العاصمة الاقتصادية.

ويعكس هذا التوجه حرص الجهات المنتخبة على إيلاء البعد الاجتماعي مكانة مركزية ضمن أولويات التدبير المحلي، في ظل التحديات المتزايدة التي تعرفها المدينة.

وفي مقدمة المشاريع التي حظيت باهتمام خاص، مشروع اتفاقية شراكة لإعادة بناء وتجهيز مستشفى الرازي للأمراض العقلية والنفسية، المعروف بمستشفى تيط مليل، وهو المشروع الذي يندرج ضمن مقاربة تروم إعادة الاعتبار للصحة النفسية والعقلية باعتبارها جزءًا لا يتجزأ من منظومة الصحة العمومية.

ويهدف هذا المشروع إلى تحسين ظروف الاستقبال والعلاج، وتوفير تجهيزات حديثة تستجيب للمعايير الطبية المعتمدة، مع إحداث جناح خاص بالنساء المصابات بأمراض نفسية وعقلية، في خطوة ترمي إلى ضمان رعاية تراعي الخصوصية والكرامة الإنسانية لهذه الفئة.

وقد جاء هذا التوجه عقب زيارة ميدانية قامت بها نائبة العمدة المكلفة بالقطاع الاجتماعي، رفقة المصالح المعنية، أسفرت عن تشخيص عدد من الاختلالات والحاجيات الملحة، ما عجل بإدراج هذا المشروع ضمن جدول أعمال المجلس بعد توصل الجماعة بمراسلة رسمية من والي الجهة في الموضوع.

وفي السياق ذاته، ناقشت اللجنة مشروع اتفاقية شراكة تروم إحداث مركز سوسيو مهني لإدماج الشباب ذوي الاحتياجات الخاصة الذهنية بتراب عمالة مقاطعة الحي الحسني، بشراكة بين جماعة الدار البيضاء ومجلس العمالة والسلطات المحلية ومندوبية التعاون الوطني، إلى جانب جمعية متخصصة وشركة التنمية المحلية المكلفة بالتهيئة.

ويستهدف هذا المشروع تمكين هذه الفئة من اكتساب مهارات مهنية وتأهيلها للاندماج الاجتماعي والاقتصادي، في إطار مقاربة دامجة تسعى إلى تجاوز منطق الرعاية التقليدية نحو منطق التمكين والإدماج الفعلي.

كما شملت أشغال اللجنة دراسة مشروع اتفاقية شراكة وتعاون مع مؤسسة محمد الخامس للتضامن، تروم تنزيل برنامج لدعم ومواكبة الشباب من أجل خلق أو تطوير أنشطة مدرة للدخل بمدينة الدار البيضاء، في إطار التمكين الاقتصادي، وذلك برسم سنتي 2026 و2027.

ويهدف هذا البرنامج إلى تعزيز روح المبادرة لدى الشباب، ومواكبتهم تقنيًا وماليًا، بما يساهم في محاربة البطالة وتحفيز الاقتصاد المحلي، خاصة في الأحياء التي تعرف هشاشة اجتماعية واقتصادية.

وفي جانب متصل بالدعم الاجتماعي المباشر، تدارست اللجنة كذلك توزيع النسب المئوية من منحة الضريبة على الذبح لفائدة الجمعيات المسيرة لمؤسسات الرعاية الاجتماعية، في خطوة ترمي إلى ضمان استمرارية هذه المؤسسات وتحسين جودة الخدمات التي تقدمها لفائدة الفئات المحتاجة.

كما تم التطرق إلى المنحة المخصصة للحج والعمرة لفائدة متقاعدي جماعة الدار البيضاء والمقاطعات التابعة لها، في إطار الاعتراف بمسارهم المهني وتكريس بعد اجتماعي وإنساني في تدبير شؤون هذه الفئة.

وعلى مستوى البنية الصحية، شكل مشروع إحداث وتجهيز مستشفى جديد بتراب عمالة مقاطعات مولاي رشيد إحدى أبرز النقاط التي حظيت باهتمام خاص، بالنظر إلى ما تعرفه المنطقة من ضغط كبير على البنيات الصحية القائمة، خاصة مستشفى سيدي عثمان، الذي ظل لسنوات يستقبل أعدادًا تفوق طاقته الاستيعابية.

ويأتي هذا المشروع استجابة لمطالب متكررة لساكنة مولاي رشيد، التي طالما نادت برفع التهميش عن المنطقة، خصوصًا في ما يتعلق بالخدمات الصحية الأساسية، وتعزيز العرض الصحي بما يضمن الحق في العلاج في ظروف لائقة.

وتعكس هذه المشاريع مجتمعة توجّهًا واضحًا لدى الجهات المنتخبة بمدينة الدار البيضاء نحو تسريع وتيرة الإنجاز في المجال الاجتماعي، والانتقال من مرحلة التشخيص إلى مرحلة الفعل، في محاولة لاستعادة ثقة المواطنين في العمل المؤسساتي المحلي.

كما تؤشر هذه الدينامية على إدراك متزايد لحجم التحديات الاجتماعية التي تواجه العاصمة الاقتصادية، وعلى رأسها الصحة، والإدماج الاجتماعي، ودعم الفئات الهشة، وهي رهانات تظل محورية في مسار التنمية الحضرية المستدامة التي تسعى المدينة إلى تكريسها خلال المرحلة المقبلة.

آخر الأخبار