أمطار وفيرة وأسعار ملتهبة.. مفارقة الغلاء في الأسواق تفجر جدلا برلمانيا
في ظل استمرار الجدل السياسي والاجتماعي حول غلاء المعيشة، عادت أسعار اللحوم الحمراء والخضر والفواكه في المغرب إلى صدارة النقاش العمومي، بعدما ظلت مستقرة عند مستويات مرتفعة رغم وفرة العرض في بعض الأصناف، وتحسن الظروف المناخية عقب التساقطات المطرية الأخيرة، وما رافق ذلك من إجراءات حكومية استثنائية همّت تسهيل الاستيراد وإعفاءه من الرسوم والضرائب.
هذا التناقض الصارخ بين المؤشرات المتاحة على مستوى الإنتاج والعرض، وبين الواقع المعيشي اليومي للأسر المغربية، أعاد ملف الغلاء بقوة إلى قبة البرلمان، باعتباره أحد أبرز مظاهر الضغط المتواصل على القدرة الشرائية، خصوصا لدى الفئات ذات الدخل المحدود والمتوسط، التي باتت تواجه صعوبات متزايدة في تأمين احتياجاتها الأساسية.
ورغم أن التساقطات المطرية كانت، في تجارب سابقة، عاملا حاسما في إعادة التوازن للأسواق وضبط الأسعار، إلا أن الواقع الحالي كشف محدودية هذا التأثير، حيث استمرت أسعار الخضر والفواكه في مستويات مرتفعة، بل سجلت بعض الأصناف زيادات إضافية، في وقت واصلت فيه أسعار اللحوم الحمراء إثارة الاستياء، رغم الحديث عن تحسن وضع القطيع الوطني.
هذا الوضع فجر نقاشا حادا حول نجاعة السياسات الفلاحية المعتمدة، واختلالات سلاسل التوزيع، ودور الوسطاء والمضاربين في تأجيج الأسعار، إضافة إلى ضعف انعكاس الدعم العمومي والإعفاءات الضريبية على المستهلك النهائي، ما يطرح علامات استفهام كبيرة حول فعالية التدخلات الحكومية وقدرتها على كبح جماح الغلاء.
وخلال جلسة الأسئلة الشفوية بمجلس النواب، اليوم الاثنين، وجد وزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، أحمد البواري، نفسه في مواجهة انتقادات لاذعة من عدد من النواب، الذين عبّروا عن استيائهم من استمرار الغلاء، معتبرين أن التساقطات المطرية الأخيرة أسقطت مبررات سابقة كانت تُعزى إلى الجفاف.
وفي هذا السياق، وجهت النائبة البرلمانية خدوج السلامي، عن الفريق الاشتراكي – المعارضة الاتحادية، انتقادات حادة لسياسة الحكومة في تدبير ملف الأسعار، معتبرة أن الارتفاع المتواصل في أثمنة المواد الغذائية لم يعد ظرفيا أو مرتبطا بعوامل عابرة، بل تحول إلى ظاهرة مزمنة ومقلقة تثقل كاهل المواطنين وتهدد استقرارهم الاجتماعي.
وأكدت المتحدثة ذاتها، أن عددا كبيرا من الأسر المغربية بات ينحصر همه اليومي في اقتناء الحد الأدنى من المواد الغذائية الضرورية فقط، في ظل التآكل المستمر للقدرة الشرائية وغياب أي مؤشرات ملموسة على انفراج قريب، متسائلة عن مدى تفعيل الحكومة للالتقائيات القطاعية الكفيلة بمحاصرة الغش والاحتكار، ومعتبرة أن استمرار هذه الاختلالات يعكس ضعفا في المراقبة وغياب الصرامة في تطبيق القوانين الزجرية.
كما أثارت النائبة ذاتها مسألة السياسات الاجتماعية، معتبرة أنها لا تنعكس بشكل فعلي على موائد المغاربة، رغم الخطاب الرسمي الذي يروج للانتصار للدولة الاجتماعية.
مطالبة باتخاذ إجراءات استعجالية لتخفيض أثمنة المواد الأساسية، خاصة مع اقتراب شهر رمضان، الذي يشهد عادة ضغطا إضافيا على الطلب وارتفاعا في الأسعار، مع ضرورة دعم الإنتاج الوطني وتشجيع الفلاحة المحلية بشكل عملي وملموس.
وفي الاتجاه نفسه، اعتبر النائب البرلماني أحمد العالم، عن الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية، أن معالجة إشكالية الغلاء تقتضي مراعاة الخصوصيات المجالية، داعيا إلى منح أولوية خاصة لجهة الداخلة وادي الذهب، التي تعرف ارتفاعا كبيرا في أسعار المواد الغذائية بسبب كلفة النقل والتموين.
وأوضح العالم أن البعد الجغرافي للجهة ينعكس بشكل مباشر على الأسعار، حيث يتم تسجيل زيادات تقارب عشرة في المائة في تكاليف النقل، ما يساهم في رفع أثمنة المواد الاستهلاكية إلى مستويات مرتفعة مقارنة بباقي جهات المملكة، داعيا إلى اعتماد إجراءات استثنائية تضمن العدالة المجالية وتخفف العبء عن ساكنة الأقاليم الجنوبية.
من جهته، حاول وزير الفلاحة تبرير استمرار الأسعار المرتفعة، معتبرا أن ارتفاع أعداد القطيع الوطني لا ينعكس بشكل فوري على أسعار اللحوم، نظرا لخصوصية الدورة البيولوجية للإنتاج الحيواني، وتراكم آثار الجفاف خلال السنوات الماضية، إضافة إلى الارتفاع الكبير في كلفة الأعلاف.
وأوضح البواري أن مستوى الأسعار يتأثر أيضا بكلفة الإنتاج، واختلالات سلاسل التسويق، والزمن اللازم لبلوغ مرحلة الإنتاج والتسويق، فضلا عن تأثير السياق الدولي وتقلبات الأسواق العالمية على كلفة المدخلات، مشيرا إلى أن أسعار لحوم الأبقار، التي تمثل حوالي 80 في المائة من استهلاك اللحوم الحمراء بالمغرب، تعرف نوعا من الاستقرار، وتتراوح بين 70 و90 درهما للكيلوغرام، حسب ما إذا كانت محلية أو مستوردة.
ورغم هذه التوضيحات، يظل ارتفاع أسعار اللحوم والخضر والفواكه أحد أبرز التحديات التي تؤرق المواطن المغربي، خاصة مع اقتراب شهر رمضان، حيث تتزايد المخاوف من موجة جديدة من الارتفاعات، في وقت تتعالى فيه الدعوات إلى تشديد المراقبة، ومحاربة الاحتكار والمضاربة، وضمان وصول أثر الدعم العمومي إلى المستهلك النهائي.
وبين انتقادات المعارضة التي تحمل الحكومة مسؤولية تعثر السياسات المتبعة، ومطالب بعض مكونات الأغلبية باتخاذ إجراءات تراعي الخصوصيات المجالية وتحد من كلفة النقل والتوزيع، يبقى السؤال الجوهري مطروحا حول قدرة التدخلات الحكومية على الانتقال من منطق التبرير إلى منطق الفعل، واستعادة ثقة المواطنين في قدرة الدولة على ضبط الأسواق وحماية قدرتهم الشرائية.