في خطوة أربكت الأسواق وأعادت رسم مشهد الاستثمار العالمي، سجلت أسعار الذهب خلال الأيام الأخيرة تراجعاً حاداً هو الأكبر منذ سنوات، بعدما فقد المعدن النفيس نحو 8 في المائة من قيمته في فترة وجيزة، لينزل إلى مستويات لم تكن متوقعة بعد موجة صعود تاريخية غير مسبوقة.
https://youtu.be/Ov3gW8gggSs?si=-3UO3_08SkiGwSh6
هذا التحول السريع أنهى حالة النشوة التي خيمت على المتعاملين، وفتح الباب أمام تساؤلات واسعة حول مستقبل الذهب، الذي لطالما اعتُبر ملاذاً آمناً في أوقات الأزمات وعدم اليقين.
ويأتي هذا الانخفاض القوي في سياق حركة تصحيحية عنيفة أعقبت ارتفاعات صاروخية أربكت حسابات المستثمرين والمدخرين على حد سواء، حيث انتقل الذهب من مسار صعود تدريجي إلى قفزات متسارعة فرضتها ضغوط الطلب العالمي والتوترات الجيوسياسية وتراجع قوة الدولار.
غير أن هذا المسار لم يدم طويلاً، إذ سرعان ما انعكست المعادلة مع موجة جني أرباح واسعة، أعادت خلط الأوراق في الأسواق الدولية، وألقت بظلالها على الأسواق المحلية، وسط حالة ترقب وحذر من تطورات المرحلة المقبلة.
وفي هذا السياق، يرى خبراء أن ما حدث لا يخرج عن كونه حركة تصحيحية طبيعية في مسار سوق يعرف دورات متعاقبة من الصعود والهبوط، خاصة في ظل التوترات الجيوسياسية العالمية وتذبذب أسعار الدولار وتزايد الطلب الاستثماري من قبل كبريات الاقتصادات.
انعكاسات هذا التراجع لم تقتصر على الأسواق الدولية فحسب، بل امتدت إلى السوق المغربية، حيث ساد نوع من الارتباك والجمود، سواء لدى التجار أو الزبناء، نتيجة تضارب المعطيات المتداولة على منصات التواصل الاجتماعي، وانتشار أخبار غير دقيقة حول "انهيار" أسعار الذهب محلياً.
هذا الوضع خلق حالة من الترقب والحذر، وأدى إلى تباطؤ غير مسبوق في حركة البيع والشراء، بحسب مهنيين في القطاع.
وفي هذا الصدد، أكدت أمينة، وهي تاجرة ذهب بمنطقة الدروة، في تصريح خصت به "الجريدة 24"، أن الارتفاع الذي شهده الذهب خلال الأسابيع الماضية كان استثنائياً وسريعاً بشكل غير معتاد، موضحة أن الأسعار كانت في السابق ترتفع أو تنخفض في حدود ضيقة وعلى فترات زمنية أطول، بينما عرف السوق هذه المرة زيادات يومية كبيرة وصلت أحياناً إلى عشرات الدراهم في الغرام الواحد، وهو ما لم يسبق تسجيله بهذه الحدة.
وأضافت أن هذا الصعود السريع لم يكن نتيجة عوامل محلية، بل كان مرتبطاً بالبورصة العالمية، حيث أدى تزايد الطلب الدولي إلى رفع الأسعار بشكل كبير.
وأوضحت المتحدثة أن ما أعقب هذا الصعود لم يكن سوى تصحيح طبيعي في السوق، إلا أن تزامنه مع إغلاق البورصات العالمية في نهاية الأسبوع خلق ارتباكاً كبيراً لدى الزبناء، الذين وجدوا أنفسهم أمام أسعار متغيرة دون مرجعية واضحة، ما تسبب في ركود غير مسبوق في السوق الوطنية، مؤكدة أن هذا الجمود فاق في حدته ما عاشه القطاع حتى خلال فترة جائحة كورونا.
وأشارت إلى أن عدداً من التجار تكبدوا خسائر فعلية، خاصة أولئك الذين تلقوا دفعات مسبقة من الزبناء لاقتناء الذهب في فترة الذروة، قبل أن تتراجع الأسعار بشكل مفاجئ، مشددة على أن التاجر يظل المتضرر الأكبر في مثل هذه الحالات، باعتباره حلقة وصل لا تملك أي سلطة على حركة الأسعار العالمية.
وفي حديثها للجريدة 24، حذرت أمينة من خطورة تداول معلومات غير دقيقة حول أسعار الذهب، معتبرة أن بعض المحتويات المتداولة عبر مواقع التواصل الاجتماعي تساهم في تضليل الرأي العام، وتضع التجار في موضع اتهام غير مبرر، في حين أن الأسعار المحلية تبقى مرتبطة بعوامل متعددة، من بينها تكاليف الاستيراد والضرائب وسلسلة التوزيع، ولا تعكس بشكل آني التغيرات المسجلة في البورصة العالمية.
وأكدت المتحدثة ذاتها أن أسعار الذهب بالمغرب تتراوح حالياً، حسب جودة الصياغة ونوعها، ما بين 1350 و1500 درهم للغرام، معتبرة أن هذا التراجع النسبي يظل طبيعياً ومؤقتاً، ولا يمكن اعتباره انهياراً للسوق الوطنية.
كما شددت على أن الذهب، تاريخياً، ظل في مسار تصاعدي على المدى الطويل، وأن فترات الانخفاض لا تعدو أن تكون محطات استراحة يعاود بعدها المعدن الأصفر تسجيل مستويات قياسية جديدة، كما حدث في مراحل سابقة.
وفي ختام تصريحها، وجهت أمينة رسالة طمأنة للمواطنين، خصوصاً النساء اللواتي يعتبرن الذهب ادخاراً آمناً، داعية إلى عدم التسرع في البيع تحت تأثير الأخبار المتداولة، مؤكدة أن الذهب سيظل ملاذاً آمناً وقيمة ثابتة عبر الزمن، مهما عرف من تقلبات ظرفية.
كما اعتبرت أن ما يشهده السوق حالياً قد يشكل فرصة سانحة للمقبلين على الشراء والاستثمار، في انتظار عودة الأسعار إلى مسارها التصاعدي خلال الفترة المقبلة، في ظل استمرار العوامل العالمية الداعمة لقيمة المعدن النفيس.