ضريبة الأراضي غير المبنية تشتعل سياسيا مع العد العكسي لنهاية مهلة الإيداع
يشهد ملف الضريبة على الأراضي الحضرية غير المبنية تطورات متسارعة دفعت آلاف الملزمين إلى التحرك في اللحظات الأخيرة لتسوية وضعيتهم الجبائية قبل انقضاء أجل الإيداع المحدد خلال شهر مارس المقبل، في ظل تخوف واسع من تطبيق زيادات وغرامات قد تثقل كاهل الملاك.
ويأتي هذا الحراك بالتزامن مع ارتفاع قيمة الضريبة في عدد من الجماعات، وفي مقدمتها مدينة الدار البيضاء، التي اعتمد مجلسها الجماعي تسعيرة موحدة بلغت سقفها الأقصى المحدد قانونا في 30 درهما للمتر المربع.
ووفق المعطيات المتداولة، لجأ عدد من ملاك الأراضي غير المبنية إلى مقدمي خدمات ومكاتب متخصصة قصد تسوية وضعيتهم قبل فوات الأجل، تفاديا لزيادة قد تصل إلى 15 في المائة بسبب التأخر في الأداء، فضلا عن الغرامات التي قد تتضاعف مع مرور الوقت.
ويؤكد مهنيون أن الضغط يتزايد مع اقتراب نهاية المهلة، ما يعكس حجم القلق من انعكاسات التأخير على الكلفة الإجمالية المستحقة.
وفي هذا السياق، وجّه النائب البرلماني عن حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، عمر أعنان، سؤالا كتابيا إلى وزيرة الاقتصاد والمالية نادية فتاح العلوي، مستفسرا عن الارتفاع الملحوظ في قيمة الضريبة على الأراضي غير المبنية، وعن ظروف استخلاصها، وانعكاساتها على المواطنين.
وأكد أعنان في سؤاله الكتابي، أن عددا كبيرا من المواطنات والمواطنين تفاجؤوا بزيادات وُصفت بالمهمة، في ظل سياق اقتصادي يتسم بارتفاع كلفة المعيشة.
وأبرز السؤال الكتابي أن مكاتب استخلاص هذه الضريبة تعرف اكتظاظا وطوابير طويلة في عدد من المدن، مع تسجيل حالات ضغط على المرتفقين بسبب محدودية الموارد البشرية والوسائل اللوجستيكية وضعف اعتماد الوسائل الرقمية.
ما يطرح، بحسب السؤال، إشكالا يرتبط بشروط الاستقبال وجودة الخدمة واحترام كرامة المواطنين.
كما تساءل النائب البرلماني عن مدى إخبار الملزمين مسبقا بأسباب هذه الزيادات وتداعياتها، وعن الإجراءات المستعجلة الكفيلة بتحسين ظروف الاستخلاص وضمان العدالة الجبائية.
ويأتي هذا الجدل في أعقاب مصادقة مجلس جماعة الدار البيضاء، خلال دورة استثنائية انعقدت قبل شهرين، على قرار رفع الضريبة على الأراضي الحضرية غير المبنية إلى 30 درهما للمتر المربع، وهو السقف الأقصى الذي يتيحه القانون.
وأنهى هذا القرار العمل بنظام “العتبات” السابق الذي كان يحدد قيمة الضريبة ما بين 15 و30 درهما، ليتم اعتماد تسعيرة موحدة تشمل جميع الأراضي غير المبنية داخل النفوذ الترابي للمدينة.
وقد أثار هذا التوجه انتقادات داخل المجلس، إذ اعتبر مصطفى الحيا، عضو فريق حزب العدالة والتنمية بجماعة الدار البيضاء، أن تمرير القرار تم بوتيرة سريعة رغم أن الآجال القانونية لدراسته كانت ما تزال مفتوحة.
من جهة أخرى، يرتبط هذا التحول بمستجدات تشريعية صادقت عليها الحكومة خلال العام الماضي، تتعلق بمشروع قانون رقم 14.25 القاضي بتغيير وتتميم القانون رقم 42.06 المتعلق بجبايات الجماعات الترابية.
ويهدف هذا التعديل إلى مراجعة رسوم الأراضي غير المبنية، خاصة بالمناطق المجهزة، إضافة إلى إسناد تدبير بعض الرسوم الجماعية إلى إدارة الضرائب، في إطار إصلاح أوسع للمنظومة الجبائية المحلية.
وبحسب المقتضيات المعتمدة، تم تحديد الضريبة ما بين 15 و30 درهما للمتر المربع بالنسبة للأراضي الواقعة في مناطق مجهزة تتوفر على جميع أو أغلب المرافق، ولا سيما المراكز الصحية والمؤسسات التعليمية والشبكات العمومية الأساسية من طرق وشبكات الكهرباء والماء والتطهير والإنارة العمومية والنقل الحضري وخدمة جمع النفايات.
كما حُددت ما بين 5 و15 درهما للمتر المربع بالنسبة للأراضي الواقعة في مناطق متوسطة التجهيز تتوفر، على الأقل، على الطرق وشبكات الكهرباء والماء. أما الأراضي الواقعة في مناطق ضعيفة التجهيز، التي تفتقر إلى كل أو أغلب المرافق والشبكات العمومية الأساسية، فقد تم تحديد الرسم المطبق عليها ما بين نصف درهم ودرهمين للمتر المربع.
وتشير التقديرات إلى أن المساحات غير المبنية داخل المدار الحضري بعدد من المدن الكبرى تمثل رصيدا عقاريا مهما، ما يجعل أي تعديل في قيمة الضريبة ذا أثر مباشر على شريحة واسعة من الملاك.
وبينما ترى بعض المجالس الجماعية في هذه الزيادات وسيلة لتحفيز تعبئة العقار وتسريع وتيرة البناء والحد من المضاربة، يعتبر منتقدون أن اعتماد الحد الأقصى دفعة واحدة قد يثقل كاهل الأسر الصغيرة والمستثمرين الصغار، خاصة في ظل الظرفية الاقتصادية الراهنة.
ومع اقتراب نهاية أجل الإيداع في مارس، تتجه الأنظار إلى مآل النقاش البرلماني والتوضيحات المرتقبة من وزارة الاقتصاد والمالية بشأن آليات احتساب الضريبة، وتدابير التخفيف الممكنة، وشروط الاستخلاص.
وبين مطلب تعزيز موارد الجماعات الترابية وضمان عدالة جبائية متوازنة، يظل التحدي قائما في إيجاد صيغة تضمن تمويل الخدمات العمومية دون إحداث صدمة مالية للمُلزمين، وتكرس في الآن ذاته مبادئ الشفافية والإنصاف في تدبير الجبايات المحلية.