مئات الأسر تواجه المجهول.. جدل تعويضات سوق البحيرة يتفجر بالدار البيضاء

الكاتب : انس شريد

03 مارس 2026 - 10:30
الخط :

في خضم التحولات الحضرية المتسارعة التي تعرفها الدار البيضاء، تفجرت خلال الأسابيع الأخيرة أزمة متعددة الأبعاد أعادت إلى الواجهة سؤال التوازن بين متطلبات التأهيل العمراني وحماية الحقوق الاجتماعية والاقتصادية للفئات الهشة، وذلك على خلفية هدم عدد من الأسواق الشعبية والمحلات التجارية، وفي مقدمتها سوق البحيرة بالمدينة القديمة، وما رافق ذلك من جدل سياسي داخل مجلس الجماعة واحتقان اجتماعي في صفوف التجار والحرفيين المتضررين.

الدار البيضاء، بصفتها العاصمة الاقتصادية للمملكة، لطالما احتضنت أنشطة تجارية تقليدية تشكل ركيزة لاقتصاد القرب ومصدراً رئيسياً لعيش آلاف الأسر.

غير أن موجة الهدم الأخيرة، التي بررتها السلطات المحلية باعتبارات السلامة وإعادة التنظيم وتحرير الملك العمومي، كشفت عن اختلالات في تدبير هذا الملف الحساس، خاصة في ما يتعلق بمواكبة المتضررين وضمان بدائل تحفظ استمرارية أنشطتهم وتحمي كرامتهم الاجتماعية.

وخرج عدد من تجار سوق البحيرة، يوم أمس الاثنين، في وقفة احتجاجية أمام مقر مقاطعة سيدي بليوط، مطالبين بإنصافهم وصرف التعويضات التي يعتبرون أنفسهم مستحقين لها.

وأكد المحتجون، في تصريحات متفرقة، أنهم يتوفرون على وثائق تثبت ملكيتهم أو استغلالهم القانوني لمحلاتهم، غير أنهم فوجئوا، بحسب تعبيرهم، بإقصائهم من لوائح المستفيدين من التعويضات المرتبطة بعملية إعادة التهيئة التي شملت المنطقة.

وعبر التجار عن استيائهم مما وصفوه بـ"الحيف"، مشيرين إلى أن أوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية تدهورت بشكل ملحوظ منذ توقف نشاطهم التجاري، في ظل غياب بدائل عملية أو فضاءات انتقالية تمكنهم من مواصلة العمل.

كما أشار بعضهم إلى أن غياب حوار مباشر مع مسؤولي المقاطعة زاد من منسوب التوتر، داعين إلى فتح تحقيق في طريقة إعداد لوائح المستفيدين وضمان معايير الشفافية والإنصاف تفادياً لمزيد من الاحتقان.

ويُعد سوق البحيرة من أقدم الفضاءات التجارية بالمدينة القديمة، إذ ارتبط اسمه لعقود ببيع الكتب المستعملة والحقائب وبعض الأدوات البسيطة، وشكّل قبلة لطلبة وتلاميذ وباحثين عن مراجع دراسية بأسعار مناسبة.

وتشير المعطيات المتداولة إلى أن السوق كان يضم 262 محلاً تجارياً، يوفر كل واحد منها دخلاً مباشراً لما بين خمس وست أسر، ما يعني أن قرار الهدم ترتبت عنه انعكاسات اجتماعية واسعة تمس دائرة تتجاوز ألف أسرة.

هذه الأرقام تبرز حجم التأثير الاجتماعي لأي تدخل عمراني لا يواكبه تصور واضح لإعادة الإدماج الاقتصادي.

في المقابل، استندت الجهات المسؤولة إلى تقارير تقنية تحدثت عن تقادم البنايات وغياب شروط السلامة، معتبرة أن الإغلاق والهدم يندرجان ضمن مشروع “المحج الملكي” الرامي إلى إعادة تأهيل المدينة القديمة وتحديث بنيتها التحتية.

وسبق لرئيس غرفة التجارة والصناعة والخدمات لجهة الدار البيضاء–سطات، حسن البركاني، أن عقد خلال شهر يناير الماضي اجتماعا مع التجار المتضررين، خُصص للاستماع إلى مطالبهم وانشغالاتهم.

وأعلن، عقب اللقاء، عن توجيه مراسلة رسمية إلى عمدة المدينة، نبيلة الرميلي، لبحث سبل إيجاد حلول عملية، سواء عبر دراسة إمكانية تخصيص دعم مالي للتخفيف من حدة الأضرار، أو من خلال توفير فضاء بديل يمكّن التجار من استئناف نشاطهم في أقرب الآجال.

وأكد البركاني أن الغرفة تضطلع بدور الوسيط بين المهنيين والسلطات، مشدداً على أن إنجاح المشاريع الهيكلية الكبرى يظل رهيناً بمراعاة البعد الاجتماعي وعدم إغفال كلفة التحولات الحضرية على الفئات الضعيفة.

وفي المقابل، شدد التجار في أكثر من مناسبة على أن التعويضات المالية، في حال إقرارها، لا يمكن أن تشكل بديلا حقيقيا عن المحل التجاري، معتبرين أن الحل الجذري يتمثل في إحداث سوق نموذجي يضم 262 محلا يضمن لهم العودة إلى العمل وصون مصدر عيشهم.

آخر الأخبار