باب الخميس بسلا...من سوق المواشي إلى فضاء ثقافي
أمينة المستاري
تحكي أسوار وأبواب مدينة سلا العتيقة قصة حاضرة عريقة كان لها حضور بارز في تاريخ المغرب. فلم تكن الفمدينة مجرد موقع استراتيجي للجهاد البحري، بل تحولت إلى مركز علمي وفكري استقطب العلماء وطلاب المعرفة، حتى غدت منارة مضيئة في العالم الإسلامي.
عمل مسلموا الأندلس بعد استقرارهم بها، على الإسهام في تعزيز طابعها الحضاري والعلمي، ومع مرور الزمن، تشكلت داخل أسوارها نواة فكرية واقتصادية نشطة، حيث ازدهرت التجارة البحرية وتعددت المؤسسات العلمية والزوايا.
حملت أبواب المدينة أسماء تعكس تاريخ الهجرات والتواصل الحضاري الذي عرفته سلا، فمنها ما ارتبط بمدن قدم منها السكان مثل باب قرطبة، ومنها ما يعكس علاقات المدينة مع حواضر مغربية أخرى مثل باب سبتة وباب فاس الذي يعود تشييده إلى العصر المرابطي، كما ارتبطت بعض الأبواب بأسماء شخصيات علمية وروحية، مثل باب سيدي بوحاجة المنسوب إلى العالم إبراهيم بوحاجة الرندي، الذي كان يحظى بتقدير كبير بين سكان المدينة.
من تلك الأبواب، يقف باب الخميس، المعروف أيضا باسم باب فاس، شاهدا على صفحات عميقة من تاريخ مدينة سلا العتيقة.
فهذا الباب العريق، المشيد في الجهة الشرقية من أسوار المدينة، يعد من أقدم أبوابها السبعة وأبرز معالمها التاريخية، يعود أصل بنائه إلى العهد المرابطي سنة 1356م، حين كانت سلا مدينة مزدهرة تجمع بين القوة العمرانية والحياة العلمية والروحية، قبل أن يزداد شأن هذا الموضع بعد تأسيس السلطان المريني أبو عنان لزاوية النساك المعروفة، التي احتضنت عددا من العلماء والمتصوفة، فصار المكان فضاء يلتقي فيه العمران بالعلم والتصوف، كما اشتهر بالمجلس الترفيهية "الحلاقي".
كان الباب عند تشييده يحمل اسم باب فاس، لأنه كان يشكل المنفذ الشرقي للمدينة وبداية الطريق المؤدية إلى مدينة فاس، ومع مرور الزمن، نشأ خارج الباب سوق أسبوعي لبيع المواشي يقام كل يوم خميس، فغلب اسم اليوم على المكان وأصبح يعرف بين الناس باسم باب الخميس، وهو الاسم الذي لازمه حتى اليوم، رغم اختفاء السوق لاحقا مع توسع المدينة وتغير معالمها.
خلال القرن التاسع عشر أعيد بناء الباب، فاحتفظ بهندسته المميزة القائمة على برجين مربعين يضفيان عليه طابعا دفاعيا ومعماريا في آن واحد.
ظل الباب طوال قرون نقطة عبور رئيسية تربط بين المدينة ومحيطها القروي، حيث كان سكان السهول والقرى المجاورة يقصدونه لدخول سلا وقضاء حاجاتهم، بينما يعبره الفلاحون السلاويون نحو أراضيهم الزراعية في الضواحي أو نحو أحواض الملح المنتشرة في منطقة الولجة.
ورغم أن الباب أغلق نهائيا سنة 1991، فإن بوابة صغيرة قربه بقيت مفتوحة لتيسير تنقل السكان، كما يميز هذا المعلم التاريخي وجود مدفعين حربيين يستقران بجانبه، في مشهد يذكر بزمن كانت فيه الأسوار والأبواب حصنا للمدينة.
تحول فضاء باب الخميس اليوم إلى رواق ثقافي يحتضن المعارض والأنشطة الفنية والأدبية، ليواصل أداء دوره في حياة سلا، لكن هذه المرة بوصفه جسرا بين الذاكرة التاريخية والإبداع الثقافي المعاصر.